محمد فيض خالد - القربان...

يخيل إلي أن شيئا من التوفيق قد حالفني، حتى وإن جاء لقائي الأول والمدير باهتا، لا يرتقي لما تعلَّقت به نفسي من آمال الأمس، تلك التي زيّفها لي صاحبي عن طبيعة الرجل والمكان، بدى الرجل في نوبِة برودٍ حالم، يغتصب من بين شفتيه ابتسامة يتيمة، يدور بكرسيه الكبير نصف دورة، قد تَعلّقت عيناه بسقفِ الغُرفة تشاغل به عني، يمرّر يده على فترات من فوق رأسه الأملس، يجيء صوته منخفضا عن المعتاد، يُقطِّعُ كلماته في بخلٍ وتقتير، قبل أن يداهمه السكوت، وكأنّه يتعمّد أن يصليني بصمته البارد نارا، على كل اعرف هذه النبرة، وتلك المخلوقات المهووسة، هي عادة يأتها الرجال المهمون، بالتدريج أخذت برودة التكييف تنخر جسمي، وقد بدأت اعصابي تتخلى عني، يخنق الغيظ أنفاسي.
دقائق، وانفرج الباب عن شاب ثلاثيني مصري، تمشّى الصلع سريعا فرعى رأسه المستدير، مدكوك القوام، يَتدلى كرشه فوق ساقين مقوسين، حيّا في أريحيةٍ لا تخلو من نفاق وتزلف زاعق، عاجله صاحبنا في تلَطفٍ:" خُذه واطلعه على كل شيء عندك، لا تبخل عليه بمعلومة"، هَزَّ السمين رأسه الضخم، وهرش جانب كرسه مُبتهجا، تملأه الثقة قبل أن يصحبني معه، وفي الخارج انطفأت سِحنته، وبدى على حَالٍ غير التي كان عليها من إشراقِ الوجه، قال بصوتٍ حزين، يشيع فيه الأسى، يعض ما تبقى من ابتسامته بأسنانه:" أهلا وسهلا"، مسكين يتعلّق في نفسهٍ شيءٌ من الألم، كأنَّ سحابة سوداء تمر فوق وجهه، لم احتفل به طويلا، أنا الآن أحاول تنسم هواء لطيفا، توزَّعت على الفورِ عيني في ارجاء المصنع، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تحتمل؛ لك أن تتخيل نفسك على بحر لا ساحل له، بحر رمادي يسيل برزاز الخرسانة الطرية، فاضت حتى لطخت كل شيء في طريقها، الصوت يصم الآذان، وشيش الأوناش، الخلاطات، صفير المضخات العملاقة غطى على أصوات العمال، الذين انهمكوا في أعمالهم وكأنَّهم في نُزهةٍ، بدت الشمس وكأنَّها تسخر منهم، فتمعن في إحراقهم بشواظٍ من نار، على حينِ غرة، هبَّت عاصفة لفّت المكان في ثوبٍ من الغبار، دفعتني لأن ألحق بصاحبنا الذي هَرول مُسرعا، تئن قدماه المقوستين تحت أكداسِ اللحم المتُرهل، اقتحم الغرفة في غَضبٍ حتى جَلسَ على كرسيِه، وفي الداخل كان المشهد غريبا، تكدّست الغرفة بالرجالِ من جنسياتٍ مختلفة، ارتموا مُجهدين فوق قطعة من اللبّاد، قد رسَم َالتَّعب على وجوههم، وابتسامة سخيفة مُعلّقة بالشفاه؛ ربما هي آخر ما تبقّى لهؤلاء مُعينا على التَّجلد واحتمال المَشاق، هنا الرائحة لا تطُاق، خَليطٌ نفاذ امتزج فيه العرق بدخانِ السجائر، عفن الأحذية الغليظة وقد فتحت أفواهها، امتلأت المنفضة بأعقابِ السجائر، وتناثرت فوق خيوط الرمل الناعم التي فرشت الأرضية، تلك شلة السائقين، وهذه الغرفة هي مكان الحركة، من هنا توُجَّه خلاطات الخرسانة، تصدر لها الأوامر لتطوف البلاد ليل نهار، يُشرفُ هذا السمين على كل شيء، عبر نظام الحجوزات المسبقة، يسلمون له القياد كعرائس الظل يحركهم كيف يشاء، بعد هنيهة، أرسلت نفسي على سجيتها دون تحفظ، جاريت سخفه على مضضٍ؛ عليّ انتزع منه ما يفيد، بدى بخيلا يعبث به القلق، تَتوزَّعه الحيرة من الوافدِ الجديد، انشغل عني في تَعمدٍ، تجاهل حضوري أو كاد، والحقد يثور في صدره والدماء تفور برأسه، لكنه بين الفينة والأخرى ينزع نفسه نزعا، ويلقي إليّ بتَحيتٍه الفاترة، يعود على إثرها لغمه لا يصرفه عنه صارف.
لقد استيأست منه، منذ بدى ثقيلا بغيض الصُّحبة ردئ المُخالطة، يتوافد السائقون على الغرفة، لكنهم في ذبولٍ كالموتى، لن أحدثك عن اغبرار الجو، تستطيع معاينته من خلف لوح الزجاج، حين تتراقص من أمامك أشباح الظهيرة غير هَيابةٍ، تجوبُ كل شبرٍ بالمصنع، وقد فرضت شدة وطأتها عليه، سحبت من صدري نفسا عميقا، تساءلت في تألمٍ:" لماذا تكلفني الحياة هذا الجهد؟!"، اخرجني فجأة من طيات الذهول عِراك نشبَ بين شائقين، بَسطَ أحدهما لسانه يرمي صاحبه بنظرة مُتحرشة، سريعا عاد الهدوء بإشارة من يده، عدت ثانية لمراقبة عمله، بالتدريج فترت حماستي، وجدتني منعزلا عنه بالكلية، لا تزال تساوره الشكوك، تركته لأوهامه علها تنهشه، عاد ثانية يقول بشقِّ الأنفُس:" تحتاج أي سؤال؟".
بدون مقدمات، ها أنا استقبلُ عَهدا جديدا من الفَراغِ، وتجربة مريرة مع مخلوقاتٍ مُشوّهة، أفرغت الغربة سمومها في أرواحهم، في الخارج تلهيت في حركة العمل، ينتابني الذهول، اجاهد في لملمةِ كم المتناقضات، لم استمر طويلا في التفكير، اكتفيت من نبشِ المتاعب، طلبت " أبو البدر"، علينا المغادرة، وفي السيارة سحيت بصري وألقيته بعيدا، تتزاحم مخيلتي بالصور المهتزة، استسلمت بكليتي للأحلام، أما رفيقي فقد انخرط في حديثٍ طويل، لم أفهم منه كلمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى