المعروف عن الخليفة العباسي المأمون أنه كان يتبنى مذهب الاعتزال وقد صار من مناصريه والمنافحين عنه لدرجة أنه ألزم العلماء به وخاصة في مسألة خلق القرآن ،فهو كان يقول مع المعتزلة بأن القرآن الكريم حادث أي مخلوق ،وبما أن القرآن كلام الله ،فليزم أن الله لم يكن يتكلم ثم تكلم فيما بعد تعالى الله عما يصفون،ومن العلماء الذين ذاقوا وبال هذا الرأي على يد المأمون الإمام أحمد بن حنبل صاحب المذهب الحنبلي الشهير فيما عرف تاريخيا ب(محنة خلق القرآن).ولا نريد الإطالة في هذا الموضوع فهو مبسط ومفصل في كتب التاريخ.ما يهمنا هنا هو أن مذهب الاعتزال بنى نفسه على أسس عقلية محضة ،ولذا فعلى الذي يتبناه أن يتحاكم إلى ما يقتضيه العقل في آرائه وفي سلوكاته وعلاقاته ،والمأمون رغم اعتزاله فإنه كان أحيانا لا يتصرف وفق ما يقول به مذهبه و هو التصرف وفق العقل والالتزام بشروط التقيد به،كما حدث له مثلا مع الشاعر العَكَوَّك،الذي قتله شر قتلة مع أن المشكل مع الشاعر كان يحل بطريقة سهلة وبقليل من سعة الصدر والتحلي بالرزانة والحلم.
سنرى اليوم كيف أن الخليفة المأمون لجأ إلى الحلم وسعة الصدر في تعامله مع من يخالفه الرأي أو يبدو أنه يخالفه،والخلاف هنا كان في مسألة لغوية بحتة،ويتعلق الأمر بلحن وقع فيه الخليفة في لفظة(سداد)،فالسداد بفتح السين معناه هو الصواب والرشاد.وبكسرها هو ما تسد به القارورة أو ما تسد به الحاجة،ومنه سداد الثغر منعا للعدو من اقتحامه.
ذكر الحريري في مؤلفه (دُرَّةُ الغَوَّاصِ فِي أَوْهَامِ الخَوَاصِّ) أن النضر بن شميل قال:
قال المأمون حدثنا هُشيم عن ابن عباس أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز ـ بفتح السين ـ .
قال النضر :يا أمير المؤمنين سداد من عوز بكسر السين.
قال المأمون:أو تلحنني؟
قال النضر : إنما لحن هشيم،فتتبع أمير المؤمنين لفظه.
قال المأمون:أو تعرف العرب ذلك؟
قال النضر:نعم ،وهو قول العرجي:
أَضاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضاعُوا
لِيَــومِ كَريهَــــــةٍ وَسِدادِ ثَغرِ
انتهى كلام الحريري.
ومن الشيق أن بيت العرجي هذا تمثل به يوما كناس في البصرة مر به الأصمعي وهو يكنس كنيفا فسمعه يغنيه،فقال له الأصمعي:
أما سِداد ما أنت فيه فأنت مليء به،وأما الثغر فلا علم لي به كيف تسده؟
فتمثل الكناس يالبيت التالي:
وأكــــرم نفسي إنني إن أهنتها
وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقال له الأصمعي:
والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها فيه،فبأي شيء أكرمتها؟
قال الكناس:
بعدم الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس!
قال الأصمعي:فانصرفت عنه وأنا اخزى الناس!
والله سبحانه وتعالى هو المستعان.
ـــــــــــــ
إشارة عابرة:
أتذكر أن أول ما اقتنيته من الكتب مؤلفان للمرحوم جرجي زيدان وهما:
الأمين والمأمون
و
عروس فرغانة
والوالدة هي التي أعطتني ثمنهما وهو درهمان مغربيان،وقد اشتريت الكتابين من سوق الكتب المستعملة التي كانت تقام آنذاك بسوق اشْطيبة بالدار البيضاء بدرهم واحد للكتاب الواحد.والسوق كانت مقصد المثقفين ومحبي القراءة،وكانت سوقا نافقة بحق.
رحم الله الوالدة رحمة واسعة.
سنرى اليوم كيف أن الخليفة المأمون لجأ إلى الحلم وسعة الصدر في تعامله مع من يخالفه الرأي أو يبدو أنه يخالفه،والخلاف هنا كان في مسألة لغوية بحتة،ويتعلق الأمر بلحن وقع فيه الخليفة في لفظة(سداد)،فالسداد بفتح السين معناه هو الصواب والرشاد.وبكسرها هو ما تسد به القارورة أو ما تسد به الحاجة،ومنه سداد الثغر منعا للعدو من اقتحامه.
ذكر الحريري في مؤلفه (دُرَّةُ الغَوَّاصِ فِي أَوْهَامِ الخَوَاصِّ) أن النضر بن شميل قال:
قال المأمون حدثنا هُشيم عن ابن عباس أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز ـ بفتح السين ـ .
قال النضر :يا أمير المؤمنين سداد من عوز بكسر السين.
قال المأمون:أو تلحنني؟
قال النضر : إنما لحن هشيم،فتتبع أمير المؤمنين لفظه.
قال المأمون:أو تعرف العرب ذلك؟
قال النضر:نعم ،وهو قول العرجي:
أَضاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضاعُوا
لِيَــومِ كَريهَــــــةٍ وَسِدادِ ثَغرِ
انتهى كلام الحريري.
ومن الشيق أن بيت العرجي هذا تمثل به يوما كناس في البصرة مر به الأصمعي وهو يكنس كنيفا فسمعه يغنيه،فقال له الأصمعي:
أما سِداد ما أنت فيه فأنت مليء به،وأما الثغر فلا علم لي به كيف تسده؟
فتمثل الكناس يالبيت التالي:
وأكــــرم نفسي إنني إن أهنتها
وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقال له الأصمعي:
والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها فيه،فبأي شيء أكرمتها؟
قال الكناس:
بعدم الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس!
قال الأصمعي:فانصرفت عنه وأنا اخزى الناس!
والله سبحانه وتعالى هو المستعان.
ـــــــــــــ
إشارة عابرة:
أتذكر أن أول ما اقتنيته من الكتب مؤلفان للمرحوم جرجي زيدان وهما:
الأمين والمأمون
و
عروس فرغانة
والوالدة هي التي أعطتني ثمنهما وهو درهمان مغربيان،وقد اشتريت الكتابين من سوق الكتب المستعملة التي كانت تقام آنذاك بسوق اشْطيبة بالدار البيضاء بدرهم واحد للكتاب الواحد.والسوق كانت مقصد المثقفين ومحبي القراءة،وكانت سوقا نافقة بحق.
رحم الله الوالدة رحمة واسعة.