سمير لوبه - بالأمس شربت من البحر...

بالأمس شربت من البحر. نعم، كما أقول لك تمامًا، لم يكن حلمًا ولا استعارة، إنما فعلٌ حقيقيٌ ماديٌ له ملحٌ، وله لذعةٌ، تعود بي إلى الخلف كأنها تستعيد الطفولة.
في هذا اليوم خرجت وحدي من البيت قبل الغروب، لا وجهة لي سوى أن أتبع النسيم حين يلامس وجهي بخفةٍ ناعمةٍ كما تفعل أصابع الأم وهي توقظ طفلها، عبرت شارع السلطان حسين، أعرج على الأرصفة كأني أختبر خطواتي القديمة، ثم انحدرت نحو البحر، البحر الذي نسيته، أو هو الذي نسيني.
الإسكندرية في الغروب مثل أرملةٍ أنيقةٍ حزينة، تعرف كيف تخفي دموعها بالكحل، وتواري ارتعاش قلبها تحت معطف الصبر، رأيت البحر أمامي كعادته، لا يكترث لأحدٍ، ولا يغضب، ولا يفرح، ولا يبوح، لكن بالأمس حين اقتربت منه كان مختلفًا؛ كانت له عيون، نعم، عيون تنظر إليَّ، وتومض كما تومض عين حبيبةٍ لا تجرؤ على الكلام، جلست على صخرةٍ ناتئة على الميناء الشرقي، ذات الصخرة التي كنت أجلس عليها وأنا شابٌ، أقرأ قصائد البحر، والآن، بعد كل هذه السنوات، صرت أنتظر أن تمرَّ من أمامي ذكرياتي؛ أطلب منها قدح قهوةٍ وحديثًا سريعًا، ثم أتركها تمضي دون عتابٍ، في تلك اللحظة لم أدرِ لماذا مددت يدي إلى البحر، ملأت راحتي بالماء، ورفعتهما إلى فمي، وشربت شربة العطشان منذ قرونٍ، كان البحر كمن يحمل ماء عينيَّ، ملوحةَ روحي، قهر المدن، نواح الجدات، صمت الآباء، شربت حتى شعرت أن شيئًا ما تغير داخلي، البحر ليس ماءً مالحًا، إنه شيءٌ آخر، إنه دفتر الغياب، والحارس الصامت لكل من مشى على الشاطئ ولم يعد، وحين شربت منه، بدأ يعود إليَّ كل شيءٍ قد نسيته، رأيتُ جدي يبتسم لي من عند حافة الصخور، يمسك بيده شبكةً متهالكة، يقول لي:
- لسه فاكر؟
رأيت أبي يركض على الشط حافيًا، يضحك، لا يدخن، لا يسعل، رأيت فتاةً كانت تجلس بجانبي في الجامعة ترتدي وشاحًا أزرق، وتقرأ عليَّ قصيدةً عن غيابٍ لم أفهمه إلا الآن، كل شيءٍ عاد، كل شيءٍ كان مخبوءًا تحت الموج، إن تحت ملحه القديم لا شيء يزول، حتى رائحة بيتنا القديم، والأغنية التي كانت أمي تدندنها وهي تغسل الصحون، كل ذلك شربته مع البحر، وجاء إليَّ دفعةً واحدة، كنت أظنني مجرد إنسان يمشي على الأرض، لكن بالأمس عرفت أنني مخلوقٌ من ذاكرة، وأن الذكريات لا تختفي بل تذوب في ماء البحر، تنتظر من يجيء ليشربها، فتسري فيه كدمٍ جديد.
لم أُخبر أحدًا بما حدث، عدت إلى البيت وفي فمي طعمٌ لم أعرفه من قبل، جلست في الظلمة، أسمع البحر في أذني يهمس لي بأسماء الذين أحببتهم وفقدتهم، وأسماء الذين نسيتهم.
وفي الليلة ذاتها، حلمت أنني أغوص في الأعماق، أتنفس بلا هواء، وأرى حروفًا تلمع بين الصخور، حروفًا تشبه اسمي، وحين استيقظت وجدت أصابعي مبللة بماء البحر المالح؛ فابتسمت؛ لأنني شربت من البحر، نعم شربت فأصبحت منه، صرت خفيفًا كالنوارس، مشتتًا كالأمواج، صامتًا كالمراسي حين لا ترسو السفن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى