أنسنة كورونا في القصة العربية د .إسلام مصطفى أحمد أبو غيدة مدرس بكلية اللغات التطبيقية - الجامعة الفرنسية في مصر/ مختبر الجامعة الفرنسية في مصر

:ملخص البحث
تقنية الأنسنة )
anthropomorphism( هي إضفاء صفات البشر على غير البشر، ويكشف هذا البحث عن تجليات أنسنة كورونا، وتوظيفها، ودوافع استخدامها ،وروافدها، واللغة التي عبرت عن ذلك، وقد اعتمد البحث على عدد خاص من مجلة الراوي التي يصدرها النادي الأدبي الثقافي بجدة يشتمل على أربعين قصة، لأربعين قاص، من ثماني دول عربية سجل فيها الأدباء المبدعون تجاربهم خلال أزمة وباء كورونا، أو الجائحة العالمية، والجديد في هذا البحث أنه درس الأنسنة في القصة العربية، في حين أن الدراسات السابقة مالت إلى الشعر والرواية، وأنه درس أنسنة الفيروس، في حين أن الأبحاث السابقة مال معظمها إلى دراسة الحيوانات أو الجمادات، وأنه أضاف لبنة جديدة فيما يعرف بأدب الوباء الذي قلت فيه الأبحاث العربية، والبحث يحصي الأسماء التي في المدونة القصصية لفيروس كورونا، ويحلل هذا الإحصاء، ويستخلص نتائجه، ويبين دلالة كل اسم مستخدم لهذا الوباء، ثم يكشف عن أشكال الأنسنة، وردها إلى شكلين أساسيين؛ هما الأنسنة الجزئية، والأنسنة الكلية، كما رصد البحث دوافع استخدام الأنسنة في كل قصة على حدة، والروافد التي أمدت المبدعين بالخيال الخصب لأنسنة كورونا ،وتوظيف تلك الأنسنة، ثم ربط بينها وبين لغة المبدع في النص، ودلالات الألفاظ التي استخدمها المبدع سواء أكانت ألفاظا جديدة لم تستخدم في أدبنا المعاصر، أم ألفاظا قديمة اكتسبت دلالات جديدة.


قصة (صخرة كرونا) للكاتب :شريف محي الدين إبراهيم

تجلت أنسنة كورونا في قوله: "تشير إلى كل من هم في السفح، يلهون ويعبثون أسفل الجبل، وكأنك ترشد كورونا عنهم، وتوضح له طريقه الذي مازال طويلا. قال لك المدعو كورونا وهو يضحك ساخرا: أقدر تفكيرك ومجهودك يا صديق، نعم نعم أنا قد
أتيت إلى هذا العالم كي أطبق نظريتك .... العدل، والقصاص من كل الظالمين." فكورونايتبع الإشارة، ويتكلم، ويضحك، ويسخر ويقدر، ويطبق النظرية، وكلها صفات تجعله إنسانًا ندًا لمحدثه .
وفي قوله: "تسقط أنت بغتة، تهوي بسرعة، وقبل أن يصطدم أرسك بالأرض، تلمح الوباء وهو يبتسم لك، يهمس في أذنك: الآن لا تستطيع حتى أن تتنفس. تحاول أن تبادله الحديث، ولكنك تفشل، يربت كورونا على صدرك برفق ثم يأخذك من يديك ،ويصعد بك رويدا رويدا.
وهنا أيضا كورونا يبتسم، ويهمس، ويربت على الصدر، ويقود الآخرين من أيديهم.
التوظيف:
القضية التي يعالجها الكاتب هي قضية الحضارة الزائفة التي يظن أصحابها أنهم يمتلكون أسباب الرفاهية، والأمان، وينظرون إلى غيرهم المتمسكين بالأصالة والقيم على أنهم متخلفون، وبالتالي هم أعداء لهذا التقدم، والحقيقة أن حضارتهم لم تجلب إلا التفسخ والرذيلة والظلم والفساد، ويلمح إلى أن هذه الحضارة قد ربت هذا الفيروس في مختبراتها ليخلصها من هؤلاء الذين يرفضون حضارتهم الزائفة، وقد غرهم الوهم بأنهم فوق الجميع في قمة سامقة، وعلى صخرة ثابتة، ولكن مكرهم قوبل بمكر أقوى منه؛ إذ انقلب السحر على الساحر، وانكشف عجز الدول التي تدعي أنها تملك مقومات الأمن والسلامة ،والقدرة القادرة، وفي لحظة سقطت في خسائر بلا نهاية في الأرواح، والأموال وفي شتى المجالات.

وجه الراوي حديثه إلى صاحب الحضارة المزيفة قائلا: "تظل على غيك... تظل على قناعاتك التي لا تتبدل أو تتغير أبدا !!
أنت فقط من يستحق الحياة، أنت فقط والبقاء للأقوى والأفضل والأحسن."
وكما اصطنع هذا المخاطب، أنسن كورونا ليكون الصراع بين متكافئين أو ندين، وقد انقلب السحر على الساحر.

الروافد:
استمد الكاتب الصفات التي أنسن بها الفيروس التي هي المكر والخداع من كل الأدبيات التراثية والمعاصرة التي جعلت الثعلب رمزا للمكر والخداع؛ لأن كورونا هنا خدع محدثه، وجعله يظن أنه معه، بل أداته التي يطبق بها نظريته، ثم فجأة ظهر العكس ،وهذا المكر يشبه المكر الذي ارتبط بالثعالب في أدبنا العربي، ومن أمثال العرب:" أدهى من ثعلب"

الدوافع:

أراد الكاتب أن يخفف من وقع النبرة الوعظية على سمع المتلقي؛ ليبتعد عن التقريرية والمباشرة، ولم يسمِ المخاطب، ولا الأماكن، بل ذكر صفات عامة
لكلِ، وجرى على طريقة الرمزية؛ ليستطيع أن يبلور رؤيته للعالم المعاصر، هذا فيما يتعلق بالناحية العقلية للمتلقي، أما ما يتعلق بالناحية الشعورية فلطمأنة المتلقي بأن المتغطرس لا بد أن يلقى جزاء تغطرسه، وإثارة عاطفة الرضا بحاله، ولتعزيز قيم التمسك بالأخلاق والفضائل في وجه التفسخ والانحلال.

اللغة:

أنسن الكاتب الحضارة الزائفة التي تظن أنها قادرة على كل شيء فأعطاها صفات إنسان متعال؛ فكانت اللغة المستخدمة تدل على البون الشاسع بين ما
يراه المتعالي في نفسه من أنه "الأقوى والأفضل والأحسن" و"تجلس على صخرة في عليائك"، يطبق "العدل والقصاص من كل الظالمين"، وكلها ألفاظ تدل على التكبر.
وما يراه الآخرون من زيفهم الواضح من خلال الألفاظ الآتية: "تظل على غيك"، و"المدينة التي لم تعد فاضلة"، و"ملتقى كبير لكل أصحاب الرذيلة والظلم والفساد"، والألفاظ كلها تجعل المقارنة قائمة بين إنسانيين يرمز كل واحد منهما إلى موقف من تلك الحضارة الحديثة، وينتصر في النهاية لمنتقدي الحضارة الحديثة ويتهمها بالفشل "ولكنك تفشل.


[1] محيي الدين، شريف: صخرة كورونا،
مجلة الراوي، مرجع سابق، ص 63، ص 64.

[2] عمر، أحمد مختار: معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2008م، مادة: د هـ ي)
1878(.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى