في صيفٍ سكندريٍ صافٍ، وقد غسل البحر السماء بمائه، فتزينت بلونٍ أزرقَ طفوليٍ، وصل الترام الأصفر رقم ١ إلى المكس، صرير عجلاته يصافح حجر البازلت الساخن، ويفوح من نوافذ عشش المكس المفتوحة عطر الشمس، الترام الآتي من النزهة مرَّ على محطة مصر، والعمري، ومن ثم عبر كوبري التاريخ إلى القباري ثم الورديان، والسلخانة، لينحدر إلى عوالم المكس السحرية، التي يعانق فيها البحر القلوب، وبالقرب من اللوكاندة الحمراء التي كانت يومًا نُزلًا للمشاهير، وعند منعطف "زفير" مطعم السمك العريق، الذي يعلق صورة لملك اليونان يأكل الكابوريا و الجمبري، هناك على الترعة تمتد بيوت خشبية متراصة، تحكي بألونها الباهتة حكايات الملح والشمس والصيادين، ومن بينها، وبجوار محطة ترام المكس تلمع طاولة خشبية بفضية السمك تُشبه كنوزا بحريةً خرجت لتوّها من البحر، هناك يقف "روما" هكذا يناديه الجيران والخلان، إبراهيم البرنس نحيف القامة، مشدود الجلد، بلون خمري صبغته به شمس إسكندرية وبحرها المالح ، شعره فاحم، ينسدل من تحت برنيطة بيضاء مهترئة الحواف، تسلط الشمس عليه ضوءها فيلمع جبينه، وتتوهج عيونه العسلية تعكس زرقة البحر، روما ابن المكس، وُلِد على هذا الشاطئ ، يسكن في عشةٍ متواضعةٍ، تتدلى من شرفتها حبال عُلِق عليها قميصٌ بلون البحر، وبنطالٌ باهتٌ، وشبكة صيدٍ صغيرةٍ يغسلها ملح البحر كل صباح، يبدأ إبراهيم البرنس يومه قبل الفجر، يخرج من عشته يحمل شباكه، ويبحر بالفلوكة الصغيرة المُطرزة باسمه "روما "، تسبح به عبر الترعة نحو البحر الكبير، وهناك، بين الهدوء والضوء، يُسمع نبض الإسكندرية الحقيقي، حين يعود، يقطر جسده بماءِ البحر، كأنه ولد من رحم الموج، يفرش صيده فوق الطاولة الخشبية، دنيس يتلألأ، بوري يحاكي لمعان السيوف، قاروص ، سردين، وبساريا، يتجمهر الناس حوله، نساء يحملن أكياس القماش المزركشة، ورجال يساومونه، وأطفال يحدقون في السمك كأنهم يدرسون درسًا في جمال الخلق، روما يعرف كيف يُضحك الزبون، ومتى يخفض السعر وكأنه يمنح هدية، صوته جهور، يضحك من قلبه، يشتم كأنه يداعب، ويفاصل كأنه يراقص الزبون، يفرح حين تبتسم العجائز عندما يمنحهن البساريا مجانًا، وعند العصر حين يخف الزحام، يجلس على مقهى الصيادين المطل على البحر، يشرب كوب الشاي على مهله، ويستمع إلى نغمة عبد الحليم تخرج من الراديو "زي الهوا يا حبيبي زي الهوا"، ينظر إلى البحر، يتبادل الحديث مع رفاقه الصيادين عن الناس الجدعان ، وعن ليلة العيد، وعشش المكس التي تزينها الفوانيس، ويتحول الكورنيش إلى عُرس بلدي، في الترام رقم ١، وهو يمرُّ في الخلفية، يرى روما الركاب يلوحون له، بعضهم يعرفه، يبتسم له، فيرد البرنس بابتسامته التي لم يغيّرها الزمن، ظلَّ وجهه باسمًا، وعيناه تشعان بنور البحر، وملابسه تعبق باليود وملح البحر، وفي غروب إسكندرية، تهبُّ نسمةٌ من جهة البحر، تحمل معها صوت بائع الذرة المشوي ، تختلط مع ضحكات أطفال المكس يركضون على ممر الفنار ويقفزون في البحر يسبحون، يجلس روما البرنس على عتبة عشته، ينظف الشبكة بينما تصدح إذاعة الإسكندرية بأغاني "بدرية السيد، وعزت عوض الله"، ربما الحياة لم تمنح البرنس قصورًا ولا سيارات فارهة، لكنها منحته عرشًا لا يراه إلا من يعرف قيمة البحر، منحته اسمًا تحبه الناس، ولأن الزمن في المكس يُقاس بصوت عجلات الترام التي تأتي وتروح بالزبائن، ظل روما البرنس حكايةً تُروى عن زمنٍ سكندريّ لم يختفِ، فإن ذهبت للمكس الآن ستجد عم روما الصياد العجوز يجلس على كورنيش المكس مع الفجر، يمرُّ عليه الصيادون يطلبون دعواته التي يتفاءلون بها قبل رمي الشباك، البرنس الذي كان، ما زال على البحر هناك