في تحقيق إعلامي أُجري معي بخصوص رواية عدالة الذئاب، خرجت كلماتي تلقائيا على النحو التالي مجيبا عن الأسئلة

……..؟
ليست الكتابة عن فلسطين ترفًا أدبيًا تُملأ به الأوقات الفارغة، أو استجابةً لدافعٍ عابر تمليه اللحظة؛ بل هي في جوهرها عملية "تأريخ للروح" في مواجهة محوٍ قسري يُمارس على الهوية والجغرافيا.
………….؟
حين يقرر الكاتب أن يجعل من فلسطين نبضًا لنصه، فإنه يعبر جسرًا مشتعلا من حيز "المؤلف" إلى رحاب "الشاهد"، لتتحول الكلمة بين يديه من أداة حكي إلى وسيلة مقاومة، وملاذٍ أخير لهويةٍ يُراد لها أن تذوب في غياهب النسيان.
أرى أن الكتابة عن فلسطين تُعيد صياغة الكاتب قبل أن تصيغ نصه؛ فهي تجربة "تطهيرية" بامتياز، تجبر الأديب على الانعتاق من أسر الذاتية الضيقة ليعانق الهمّ الجماعي في أسمى تجلياته.
…………..؟
هنا تبرز قيمتان جوهريتان:
الأولى هي القيمة الأخلاقية؛ حيث تمنح القضيةُ الكاتبَ ميزانًا يحميه من التخبط في فوضى العدمية؛ فيغدو لكل حرف ثمن، ولكل جملة ثقل ومسؤولية أمام التاريخ.
والقيمة الثانية أن القضية تفرض على مبدعها ابتكار لغة تليق بحجم الفجيعة وتسامي الصمود، مما يدفع بالأدوات الجمالية والرمزية نحو آفاق بكر، مقتفيًا أثر الرواد الكبار الذين جعلوا من الأدب رسالة.
……………؟
حين يسكن الكاتب نصه في الرواية التي تتنفس فلسطين، لا يكون السرد مجرد رصد للأحداث، بل هو انعكاس لـ "زلزال شعوري" يزلزل كيان الكاتب. فالعلاقة هنا عضوية؛ الصدق الشعوري هو ما يمنح النص تأشيرة العبور إلى وجدان القارئ. وحين يستحضر الروائي "المخيمات المكشوفة" أو "مفاتيح العودة"، فهو لا يصف أطلالاً، بل يستنهض ذاكرة حية، محولاً الألم من وجع ساكن إلى طاقة إبداعية متقدة، تحيل الأرقام الجافة في نشرات الأخبار إلى حكايات بشرٍ بدم ولحم، يضحكون ويبكون ويجترحون الأمل من رحم الأنقاض.
وعلى هذا النحو أرى أن "عدالة الذئاب" هي اشتباك سردي مع الواقع. تتجلى هذه المعاني بوضوح؛ إذ لم تكن الرواية لديَّ مجرد استعادة تاريخية، بل كانت "اشتباكًا سرديًا" يُعيد تعريف الصراع من منظور فلسفي وإنساني عميق.
…………؟
لقد أردت أن أحول الرواية إلى "وثيقة إدانة"، مجسداً دور الكاتب كحارس أمين على الذاكرة. وقد برهنت "عدالة الذئاب" أن الانتماء للقضية لا يحتاج لجواز سفر، بل لضمير يقدس الحق؛ فجاء النص ليؤكد أن فلسطين هي "قضية المركز" لكل مثقف حر، مما أضفى على مسيرتي بُعدًا عروبيًا خالصًا.
لم أهتم برصد المأساة فحسب، بل بالغوص في فلسفة "العدل"، متخذاً من استعارة "الذئاب" دلالة عما أشعر به نحو من يشربون دماء الشهداء بشهية مفتوحة.
حاولت نقل "الارتجاف الشعوري" من قلبي إلى الورق؛ فلم تعد فلسطين في روايتي خريطة صماء، بل أصبحت وجوهاً تئن، وأنفاساً تتصاعد، وأحلاماً تقاوم الدهس. لقد أدركت أن "الذئاب" واقع ينهش جسد العدالة البشرية المنقوصة.
إن الكتابة عن فلسطين، رحلة شاقة من "الأنا" إلى "نحن"، حيث يستحيل الحبر دمًا يجري في عروق الورق؛ لأن الكاتب حين يخلص لقضيته، يتحول نصه إلى طاقة تتجاوز حدود الغلاف؛ لتظل الرواية هي السلاح الذي يملكه المظلوم في وجه جلاد قد يملك الأرض، لكنه أبداً لا يملك أن يطمس الهوية أو قتل الحقيقة.


1770801757775.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى