إبراهيم محمود - من أوهام الكاتب "س" المرسومة... نص

إلى " أ. ي " أليس كذلك؟

1773823955193.png


..وسوف أقرأ

وسوف أقرأ هكذا قريباً جداً
سوف أقرأ كل من اختزنتُه في ذاكرتي
-لَكَم ظلمتُ ذاكرتي-
وأتحرر منه
بعملية " فرمتة " سريعة
ودونما رجعة
كما وعدت نفسي " المطمئنة "
لن أنظر ورائي
متخلياً – تماماً- عن صورتي التي ألفْتها طويلاً
معتمداً على ما تشتهيه عيني
بعيداً عن الكتابات الجوفاء المصحَّرة
كآلاف مؤلفة حولي
ممن سخرت منهم
ولم أفطن إلى قدْرهم
بعيداً عن المكتبات وعناوينها الخلَّبية
عن الكتب العامرة المدفونة فيها
وهي مخطوفة الأنفاس
وأصحابها ممن يتنفسون وحدة مزرية
وقد انتحروا بحسرات صاعقة
لأن لا يدأ واعية لمست كتبهم
بعيداً عن الأشجار التي تشمخ بمفردها في البرّية
عن الينابيع التي تتدفق دون إيذان من أحد
عن الجبال وقممها وهي تتاخم اللامتناهي
وخرافة المنبني عليها عملياً
سأركز على الروائح الشهية
تلك التي تخص البطون المعتبَرة
على دعايات همبرغر ذات الرائحة المؤممة
بخلفياتها الهوليودية
خفيفاً أمشي كنسمة ثملة في الشوارع الواسعة الصدر
محبوباً، كما أقدّر بداهة، من كثيرين
لأنني أصبحت اللاقارىء لافت الأنظار
بين الذين يمنحون الأمي ثقافة ثقة غير مسبوقة
في قيادة أرواحهم
في هذه البلاد ذات الشهرة بأميتها الممدوحة
التي تقدّم المتأنق بالأمية الفواحة تلك
والكلمات التي تثير حفيظة الهواء الطلق
وهي ترسل رنينها عبره إلى مسافات طويلة
فتخرج الفئران من جحورها إلى الشوارع
دون خوف من القطط الموشومة
متباهية بأذنابها الرفيعة المغناجة
رغم أنف صانعي الفخاخ الصدئة
***
... وسوف أكتب

أما وقد تحررتُ من قراءة
ما أوجعت به ذاكرتي لعقود وعقود
وسببتُ خناقاً لجدران بيتي التعيس من جهته
ودوَّخت أفراد عائلتي بمعسول المبادىء المستحيلة
واستهلكت صبري كثيراً جداً
وأنا أنزف طاقتي في معرفة حقيقة الروائع الكبرى روائياً، مثلاً:
البؤساء، الحرب والسلام، عناقيد الغضب،مزرعة الحيوانات،
مائة عام من العزلة، وفقهاء الظلام
...إلخ.. إلخ ..
ووأورثت أناملي هزالاً مؤلماً في الصميم
ومفاصلي روماتيزماً يحرجني أمام كثيرين
وأنا أعدُ أصابعي إثرها
بأنها لن تلامس قلماً بعد الآن
وعينيّ بأنهما لن تعانقا عنوان كتاب
ولو من نوع هابط
ولساني بأنه لن يتهجى ولو عبارة
حتى في مناقشة قصة مصورة
ورأسي بعدم حضوري أي أمسية ثقافية
ولو كانت تهريجية
ليكون جسدي طليقاً
أكثر خفة ورشاقة من وثبة رأس " كوبرا "
في تفاعله مع أطعمة ذات روائح تطرب المعدة
وتنمّي طاقة خاصة في حالات خاصة
ولقاء من سبقوني في هذا الطريق
ذوي مقامات عالية
لتبلغ أصداء ضحكاتنا
عنان السماء
ولا يعود لي خصوم البتة
مكتفياً بـ" تيك توك " و" يوتوب "
المكتبة البصرية الملهمة
وهي تعرض مشاهد أين منها " ألف ليلة وليلة "
وأنا أترقب أبواباً عالية
محروسة بكاميرات متطورة
إذ تُفتَح لي
لأراني رجل الغد
***
.. وسوف أعيش

وسوف أعيش كما يجب
ملبياً دعوة غرائز مجازاة ولو متأخراً
متخلصاً من وجهي المعتاد والكئيب
وجهي المألوف في المنابر الثقافية
مع الفاشلين في امتحان الحياة المعروضة
والذين راسلتهم طويلاً
ممن توارثنا الهموم التي كانت ترتد علينا
بكوابيس كانت تتلبسنا ليل نهار
أخرج خفيف الروح
أعني طروب الروح
أعني طروب الاسم والولادة الجديدة
كائناً مطهَّراً من المبادىء التي لا تورّث
سوى الهزائم المزمنة
أخرج محمولاً بهواء محتف ٍ بي
كغرير العسل
مموهاً نفسي كتمساح نيلي تحت بماء طحلبي اللون
منتظراً فرصة الظهور المحتسب
وقد وثَّقت علاقات مع عتاة اللاعبين بالمصائر
وكبار النصابين والمجرمين
ممن قرأت عنهم بشهادة " الأرواح الميتة "
و" خريف البطريرك "
و" الأشجار واغتيال مرزوق "
ومن في أياديهم أبواب موصولة بالشهرة والثراء المحتم
سأركز على قبضايات ولصوص وذوي مهام خاصة
سماسرة شعوب درستهم عن كثب ذات يوم
وذوي مناصب بكراسيهم الدوارة
لا منجز لهم سوى بلطجة جعْلهم سوبرستارية
متقناً لغة الدبلوماسية الموازية
ولغتي التي أتقنت فن لفت الأنظار في خمسة أيام
لأجدني أيقونة شعب من الطراز الأول
محاطاً بحوارات ولقاءات ومواعيد منتظمة
وسيطاً بين حكومات هنا وهناك
وفي انتظاري أينما حللت وتحركت
حسان في طراوة الورد
ونعومة الماء
وهشاشة الهواء
وشفافية الكريستال
واسمي يتصدر شريط الأخبار
والصفحات الأولى من الصحف
وأنا أجالس من هم في المناصب العليا
وأنا أتناول طعامي صحبة شخصيات غامضة
مرهوبة الجانب
ثمة جمعيات خيرية لها بذخها المتلفز
وثمة مراكز ثقافية من نوع خاص،
ومؤسسات بحثية من نوع خاص
وجوائز ذات صلة بالثقافة والمناسبات الوطنية
مدعومة مني
وهي تتحدث عن الوطن والشعب والحرية والاستقلال
اعتماداً على أقلام مدربة لهذا الغرض
وهي تستعرض أذيالها بتباه
والعلم الوطني بأبهى صورة وبالحجم الكبير
يكون خلفيتي وعلى طاولتي ذات الخشب الثمين والمستور
وقد أتقنت لعبة " من أين تؤكل الكتف "
من وراء نظارة بمقاييس ستانداردية
تلتقط إشارات خاصة عن بعد
وقد نمَّيتُ قطيعاً خاصاً بي
في قطيع مجاور دونه ضبطاً
وأمَّنته له ما يلزم ليستمر في قطيعيته
وصورتي الكايرمزية تواجهه كيفما التفت ونظر
وأنا أتخيلني في وضعي الأخير
ساعة رحيلي الأبدي
وبقاء بصمتي المشرقة ذات الهالة
مودعاً الدنيا بالكثير من الإنجازات الاستثنائية
يُعلَن عن اسمي هنا وهناك
وإعلان الحداد الوطني في طول البلاد وعرضها
وجعْلي مثالاً يحتذى
وقد سُلّطت علي الأضواء
متجاوزة الحدود المجاورة
في شرعة الحياة
في الدول ذات الصيت
والمراكز البحثية المختصة
في السياسات المستقبلية
...إلخ...إلخ...إلخ ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى