إبراهيم محمود - الحرب هنا وليس من " هناك "

صباح هذا النهار" السبت "الآذاري الغائم البارد والحارق معاً في ساعته الحادية عشرة
جسدي ينتشلني من واقع متخيل مع القراءة والكتابة
على صوت أزيز رصاص مسعور، وانفجار ضخم على مقربة بضع مئات من الأمتار معدودات مني
تحملني عيناي ، وعيناي على البيت ومن فيه، إلى النظر خارج الزجاج الشفاف للنافذة العريضة للبيت الذي استأجرته، من على شرفته أمد بنظري جهة الإصابة/ الموقع
أدخنة ترتعش في هواء المكان
جبل زاويته يحجب عني الرؤية الدقيقة لما وراءه
السماء تتلون بما هو دخاني
إنها تجدد نعيها كرهاً
تدخل في دورة مكشوفة حديثة في حداد عما يجري
استهتاراً بها وما يعلوها ويعلوها
أقدّر نوعية الخوف في حالة كهذه
ليس السؤال عما حصل في محصّلة هذه الإغارة البغيضة
إنما عما يحصل في حرب مجنونة، طائشة، رعناء، لا مبرّر لها إطلاقاً
حرب تضع الوالد وما ولد، النبات والحيوان والجماد في كف عفريت
من أشعلوا نارها الحارقة المحرقة ، أنّى كانوا، وكيفما كانوا سماسرة\
تجار حروب
مهددو مصائر حيوات شعوب بأكملها
وأنا الهارب من جهة إلى أخرى
أي جهة في المحصلة يمكن أن تتعهد لساكنها بأمان
يؤمن له نوماً لا خوف من كابوس له
وخروجاً إلى الشارع أو في البيت يضمن له سلامة
الحياة نفسها في ذهول عما يجري
على بضعة بضع مئات من الأمتار مني
ثمة قتلة يعبّرون عن هوايات لها صلة مباشرة بالخراب والدمار وجلْب الويلات
على أقل من بضع مئات من الأمتار مني
ثمة ما يجعل المشهد أكبر خوفاً
أعظم ترويعاً في بنيتها
مشهد يتكلم باللغات كافة
والقاعدة اللغوية الوحيدة هي في الترويع والتدمير والتنكيل بالحياة
تنتفي المسافات هنا
لا شرق
لا غرب
لا شمال
لا جنوب
حيث المميتات والمهلكات مجَّهزة تحليقاً أو توجيهاً إلى كل الأمكنة
وحيث أنا هنا أعيش هذه الكثافة الكارثية وانتثارها هنا وهناك
أنا لست أنا
كل من تخفق فيه روح
الجماد غير معزول عني
كأنما جبل زاويته يهتز مرتجفاً
من وقع الصادم خارجاً عن طوره
هل بقيت جبال رواس تحت وطأة هذه الحمولات المضغوطة ذاتا النسب الحقدي وأهوال سردياتها المريعة؟
هناك من هو مثلي يعيش هذا الأزيز القاتل
هذا الهدير العاصف
هذا الانفجار تلو الانفجار المسمم لكل شيء
على بعد أقل من بضع مئات من الأمتار مني
يحملني جسدي سريع العطب إلى حيث يتعاظم المشهد في الجوار
لا جوار في واقع الأمر
المسافة تغدو صفراً
في حساب التوجيه عن بعد
في عصر الإنسان الرقمي ومحنه الذاتية الصنع
في ظل الذكاء الاصطناعي وفجيعة الإنسالات العابرة للفضاء والحدود
والهدف: الاقتصاص ممن يقتصون من بعضهم بعضاً
وباسم الحياة
ليس من عبثية في المشهد
هو ذا التاريخ " الآدمي " الموبوء من نطفته المكربنة الأولى خارج بيضتها المؤسطرة إلى اللحظة
هوذا
ثمة من هو في جهة أخرى
يعيش هذا السفور التخريبي الكوكبي
بذذرائع أقل ما يمكن وصفها هو أنها أقذر من القذارة
على بعد أقل أقل من بضع مئات من الأمتار مني
أشعر أن جسدي ليس لي
ثمة ما يتهددني ومعي البيت بمن فيه
البيت والبيوت المجاورة
البيوت المجاورة في دهوك وخارجها
لا طريق آمن
لا جبل آمن
لا ظل جرف صخري آمن
لا ظل شجرة آمن
لا جوف مغارة عميقة آمن
لا كوكب نفسه آمن
في مثل هذه المتتواليات الحهنمية البشرية الصنع
لا حساب قابل للضبط
لمن يموتون غيلة
لا تجري تصفيتهم على غفلة
لمن هم تحت الطلب
لمن يعيشون موت لا دخل لإرادة الله فيه
الملائكة أنفسهم في مرمى المسيّرات والقاذفات والصواريخ الرعناء
لا ذمة لها طالما أنها في ذمة من لا يفتقدون إلى كل ذمة ضمير
ورغم هذا الهول
أرى بشراً، هم أهل المكان
يسيرون في الشارع هذا أو ذاك
منصرفين إلى أعمالهم
يمضون إلى شئون خاصة بهم
ينظرون أمامهم
بعض منهم يتجه إلى الجامع المقابل لبيتي
كما لو أن شيئاً لم يحدث
إنه المكان الذي علّمهم الكثير في عقود طويلة سابقة
لقد أدمنوا سماع انفجارات وطلقات رصاص من هذا النوع
علَّمتهم ذاكرتهم المكانية كيف يتكيفون مع الجاري
يُعرَف الغريب عن المدين، والمكان من خلال حركته
حيث لم يعتد حالات هي ظاهرة لها سلاسلها المخيفة
سوى أنهم يبقون محافظين على تماسكهم
وهم على بيّنة أن الجاري لا يخلو من المفاجأت
من الميتات ذات الوجوه الألف وواحد
كما أرى وأسمع وأتابع وأقرأ المكان بوجوهه
على ما دون بضع مئات من الأمتار مني
حيث تستحيل المسافة صفر
ينخسف كوكب بكامله على نفسه
وأنا كغيري
في ذمة أقدار معمولة بعبثية لؤمية
بمرجعيتها البشرية المنتقاة بكراهية غاية في الإفناء
تلك قيامة في سلسلة القيامات ذات النوعية الخاصة
التي نعيشها ونكون وقود نيرانها وقواها المدمرة
والتي تستمر وتستمر
هل من قيامة مغايرة لها ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى