نجمة عمر علي كراتة - ثورة الروح

أبي…
أين هي يدك التي كان ينحني لها حزني؟
أين كتفك حين كانت الريح تشتدّ في صدري؟
اليوم فقط فهمت كم كانت يدك سماءً فوق قلبي.
أبي… الحمد لله، لقد تم عقد قراني مع الوجع.
حين سقطت دمعتي يا أبي ،
سقطت فوق ورقة تحمل وجعي، يسمع صداها الجبل...
ملحي ينافس البحر،
ودمعي ثقيل… ثقيل… ثقيل جدًا.

حين يصمت أبي الرجل،
ينتهك الذكر جلدي،
يعذب ذراعي بكسرها ببطء،
ويُدهس فوق اسمي،
ويلعنك يا أبي…
ذلك الذي ظننته رجلاً.

الحمد لله… هكذا قالوا حين عقدتُ قراني.
ابتسمت كما تبتسم العرائس في الصور،
وزعت النسوة الزغاريد على الفراغ المهترئ ..
اصطف الجميع لالتقاط الصور...
لمحت غريبة بين الحاضرات تبتسم لقدري ،وكأنها كانت تلقي تعويذة على ذلك اليوم لتنتقم من وقتي الذي بدأ..
وصدّق الجميع أن الحكاية بدأت بالسعادة،

لكن أحدًا لم يسأل:
كيف تتألّم ذراعُ امرأة دون أن ينكسر العظم؟
كيف يختنق الهواء بدلًا عن رئتيها؟
وكيف يصبح الصمت اللغة الوحيدة التي تسمح بها الحياة؟
تتألّم حين تصمت في لحظة الهزّات والانكسار،
وتهمس للزمن: مهلًا يا زمن… ارحم ما تبقّى من روحٍ احترقت طويلًا.
ماذا تحتاج تلك اليتيمة، رغم أن البشر يمشون حولها كأنهم حياة؟
ربما تحتاج رجلًا لا يكون سبب الغرق، يقف في وجه الرياح، يعترف بقيمتها حتى لو أخطأت في اختياره.
كم من امرأة لا تحمل كسرًا في العظام، لكن روحها مكسورة.
كم من امرأة ليست جريحة الجسد، لكنها ضحية عنف مادي ومعنوي وجسدي وروحي.

أتألّم لأنني أحارب نفسي..
لا أقف أمام المرآة وحدي،
بل أقف وراء صمتي ولغتي.
أتسمّر أمام الجمر وأختنق بالحرّ.
أتصفّح وجهي،
أتبعثر مع دمعي،
قلبي يتأجج تارا لا تنطفئ..
وأتناثر كالرملة كلما مرّت عاصفة الصمت..
والموت يحملني ببطء خلف بياض ثوبي.
فهل كسر الصمت ثورة؟

أم أن قول الحقيقة والثورة على الظلم تسمّى تمرّدًا على سلطة ذكرٍ نسي أن الرجولة ليست صوتًا عاليًا، ولا يدًا قاسية، بل قلب يعرف كيف يحمي لا كيف يؤذي؟
لكنه لا يعرف كيف يحتوي امرأة تنهار قوة.

الحمد لله، لقد تم عقد قراني… هكذا قالت البنت..
لكن ثورتي الحقيقية وثورتها
أن لا أعقد حياتي مع الظلم،
أن أحيا مع نفسي،
مع وجعي،
مع صمتي،
مع ثورتي،
مع كل قصيدة كتبتها عن الألم والحب والفقد،
مع كل لحظة صمت كانت ثورة،
مع كل دمعة كانت بداية حلمي في الحرية....
وكان حلمها
في وطن مغتصب أن تحيا عندما صافح أبوها يدا تشبه رجلا.

الكاتبة #نجمة عمر علي #كراتة #تونسفلسطين
نص مقتطف من روايتي"الحمد الله تم عقد قراني"
رواية تجمع بين السرد والشعر وأدب الرسائل راوحت فيها بين أنا المتكلمة وهي الغائبة والحاضرة فوق الورق.
الرواية ملحمة وجع يستمر قد تتشابه فيه بعض الاسماء والأحداث لأنها بصوت امرأة لكل نساء الأرض لتعقد قرانها
مع الحرية والأمل والكرامة وليتعلم الذكر كيف يكون رجلا .

#رداء الروح #علمني كيف يكون الفرح #لآلئ وغيمة
#حسب الظروف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى