المتوكل طه - حبشين...

"بيّارته أكبر من البحر"، كانت تقولها لنا أُمّي عندما يأتي يوم العيد، ويسلّم عليها ويعيّدها دون أن تتبدّل ملامحه الحجرية الصارمة، ويخرج مكتفياً بكاسة شاي.
ويبدو أنه ارتخى للنهاية اليائسة، فاستسلم، كمريض، لا يتغيّا الشفاء!
وربما كان يعتقد أن شَجَرهُ مروحةُ الدنيا، وأن بيّارته أغنية خضراء، ولكن الخنازير قد أخذت قالب الحلوى، ولن يرحمه غيرُ هذا الصمت والحرمان اللذين أعطياه الموازنة الدقيقة بين البقاء والفناء، مثلما أعطياه مقاربةً يظل معها شهيداً في بيت عزائه الذي لن يُغلق إلى أبد الداهرين.
* * *
ربما يبتسم، لكنه لا يضحك ولا تُرى أسنانه! ولم يحضر عُرْساً، ولم يشارك في زفَّة أو سامر. يؤدي يومه بآلية رتيبة، ويجلس في حسبته يبيع الخضار والفاكهة، ويظل صامتاً في ذاته ومشاويره الغامضة الزائغة.
كان لقبه "حَبْشين"، ولا يدري أحدٌ ما معناه ومنْ أطلقه عليه، لكنهم ينادونه بأبي زهدي.
وأبو زهدي الذي كان يملك بحراً من بيارات يافا الممتدة حتى أراضي اللد والرّملة.. هاجر إلى بلدتنا وافتتح حسبته، وحرّم على نفسه أكل البرتقال أو شرب عصيره ما دامت البلاد تحت دياجير الاحتلال.
لكن جار أبي زهدي الذي يعرف أنه يشرب من إبريق الفخّار الموضوع على بسطة الشباك الكبير.. قد عصر كمية من البرتقال، وصبّها في الإبريق رحمةً بأبي زهدي ليتذوق فاكهته التي حرّمها على نفسه!
وكالعادة، مشى أبو زهدي إلى إبريقه، ووضعه على فمه، وكرع جرعةً، ثم ألقى بالإبريق بعيداً، فتهشّم!
نزلت جرعةُ البرتقال إلى أمعاء أبي زهدي كأنها سمٌّ زعاف، فتلوَّى، فحملوه إلى المستشفى، فضاقت أنفاسه، ولم يلبث يومين حتى مات!
*****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى