حاتم عبدالهادي السيد - العصفور الحزين..

حزينة تلك العصافير أم أننا نحبسها في أقفاص خشبية ؛ ومعدنية لنشعر فقط بالسعادة قليلاً؟!.
العصفور حزين؛ يتألم من الحبس بينما نحن نضحك ونلهو ونستمتع بآلام الآخرين !!.
متى ستخرج تلك العصافير لتنطلق في الفضاء حرة؛ تزقزق للوجود كله؟!.
دارت برأسي هذه الأفكار وأنا أقف أمام أقفاص العصافير أمام منتجع الواحة؛ على شاطىء البحر؛ وأمامي طفل يطعم العصافير من ثمار زهور عباد الشمس( اللب الأسمر).
ما أحلى الحرية؛ وما أقسى حبس العصافير الصغيرة؛ الملونة الجميلة!!.
قال لي الطفل ابن بائع العصافير :
أطعم العصافير بيدي الصغيرتين؛ لكنني لست سعيداً لوجودها داخل تلك الأقفاص...
أرى الدموع في عينيها كل صباح؛ فحسب أنها تسعد ؛ وتهش لوجودنا؛ ولكن ما أدراك يا عمو؛ بأنها تلعننا في السر ؛ وتدعو علينا حين تكون وحيدة ؟!..
يا عمو : لا أخفيك سراً بأنني دون علم أبي - أول أمس- فتحت كل أبواب الأقفاص لتخرج تلك العصافير وتطير جميعاً؛ وتتحرر من قسوة الحياة هنا... لكن المفاجأة التي أفزعتني بأنها لم تحاول حتى أن تخرج؛أو تتحرك.. فقد اعتادت على الحياة خلف الأقفاص الخشبية؛ والمعدنية هنا؟!..
ربما خافت العصافير ؛ وفكرت بأنني أدبر لها شيئاً؛ فقالت في نفسها : الحبس في قفص نعرفه؛ أفضل من الخروج إلى مجهول لا نعرف مداه !!.
تركت باب الأقفاص مفتوحاً لساعات كثيرة ؛ لعلها تغير رأيها في الخروج...
فقط؛ عصفور وحيد وقف على باب القفص ؛ ثم عاد إلى الداخل؛ وظل يصيح بشدة؛ وكأنه يودع القفص؛ ثم فجأة طار أخيراً ؛ لكنني رأيته يقف فوق شجرة؛ وينظر إلى الشوارع؛ والبشر ، والحياة ...
قلت لعل تلك العصافير تقلده وتفعل مثله... لكن ما جعل الدموع تترقق وتكاد تنزف من عيني؛ وقلبي.. أن العصفور الذي غادر القفص عاد بعد ساعة واحدة؛ ووجدته يدخل القفص طائعاً.
قلت داخلي : من اعتاد طعم الحبس؛ واستساغه؛ فلن يجد لذة سوى في الحبس مجدداً.
ترقرقت الدموع لتساقط على خدي... حضنت هذا الطفل وقلت : يا بني الحياة كقفص كبير؛ كلنا داخله؛ ولقد اعتدنا الصمت والسكون؛ فلا مناص أو جدوى سوى الاستمتاع بالحياة داخل قفص حياة العصفور الصغير !!.
الحرية يعرفها أناس ؛ أدركوا أن السعادة في أن يتحرروا من قفص العصفور الملون الجميل؛ لذا هم أحرار الآن !!.
الحرية قيد ؛ومسؤولية كبيرة؛ ومن لا يستطيعها؛ عليه أن يحيا داخل قضبان قفص العصفور الصغير !!.
قلت : من علمك هذا الكلام يا بني؛ وأنت لا زلت طفلاً غريراً ؟!.
قال : علمتني الحياة.
هطلت دموعي؛ وانسحبت سريعاً؛ لأهرب بخيباتي خلف قضبان الحياة...
ظللت لأيام أتذكر كلام الطفل الصغير؛ وعدت لحضرتك لأخليك قميصي؛ وأتحرر حتى من ملابسي الضيقة...
ما أجمل أن نعيش أحراراً؛ داخل ذواتناً.. نتنسم الحرية في كل وقت؛ ونغني للحب؛ وللحياة؛ النشيد الأخير ..
لنتحرر من قفص الخوف؛ ولنبتسم للحياة من جديد...
بعد عدة أعوام عدت إلى بلدتي؛ وذهبت لأستطلع محل العصافير؛ وجدت الطفل قد تغيرت ملامحه؛ وبدت على وجهه ملامح الشباب... قلت : أتذكرني يا عمو ؟!.
- قال : نعم ... انظر إلى هناك ؛ وأشار بيده الصغيرة....
نظرت فإذا بأسراب غربان تمتشر؛ تنعقد بشدة؛ وتتناثر في كل مكان.
- قلت : أين العصافير ؟!.
- قال - بوجع- إنها الغربان !!.
قلت : أسألك عن العصافير والأقفاص؟!
- قال بصوت زاعق : هناك من لم يستخدم الحرية بطريقة صحيحة؛ فتحول إلى غراب ينعق كل وقت؛ فقط عصفور وحيد ظل ينادي بخجل ؛ وبدون خوف بالحرية المشتهاة !!.
قلت : لا زلت فيلسوفاً يا صغيري!
ضحك بشدة؛ وأخرج كرة قدم ملونة ثم قال بجدية : هيا يا عمو لتلعب معي لعبة الحياة.
" تمت"
حاتم عبدالهادي السيد
أديب من سيناء

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى