إبراهيم محمود - مجرد قنفذ... قصة

1783855472525.png



كثيراً ما كنتُ أراه تحت ضوء القمر الصيفي، وهو بحجمه الصغير، وكأنه يتدحرج، أو أسمع شمشمته المتوقفة على حركته ومسحه الميداني لرقعته التي يؤمّن بها على نفسه ومساره المتعرج. كبرتُ وكبُرتْ صورته في ذاكرتي معي، حيث تجاوزت حدودَه، كأنه ليس هو، وكان هو. على بعد خطوة واحدة أحياناً كان يتوقف عن الحركة، بجسمه نصف الكروي والمسطح أسفله، وفي حالة الطوارىء، يتكور على نفسه، وبالكاد تُرى الجهة التي تشير إلى أنفه الدقيق، نصف جسمه العلوي الذي يشبه قبة سماوية واللافت غاية في الروعة. أكاد يتحسس حركتي هو الآخر؟ أكاد يحللها بطريقته، حيث إنه أحياناً كان يقف لحظة الاقتراب من النقطة التي كنت أقف فيها؟ أتراه يستهدي بعلامات تعنيه تتوزع ضمن مساحة جغرافية تخصه؟
يرفع رأسه العاري في الهواء والجليّ بشوكه المنتصب على نصف هامته، كأنه يقول لي:
ها نحن نلتقي مجدداً؟ ماذا استنتجت مما رأيت حتى الآن؟
بقيت صامتاً. وأنا أمعن النظر فيه، وهو يمارس شمشمته. لم يكن ينظر إلي، إنما إلى جهة أخرى، إلى حيث يعرف طريقه المتناسب وشكله الكروي.
تحرك قليلاً، وهو يرفع رأسه إلى الأمام، وحركه في الجهات كلها، بدا لي كأنه ينظر إلى جهتي ويقول لي:
ستبقى هنا لساعات، لعمر كامل.. لن تستطيع تجاوز النطاق المضروب علي جلداً وغطاءً شوكياً..
استدعيت إلى الذاكرة ما قاله فيه، أو عنه، أو عنا من خلاله شوبنهور، ما عرِف به هيدغر، ما أفصح عنه دريدا، وكيف يكتفي أي منا بما يقول ويكتب مختلفاً، دون خلاف بالمقابل... كيف وماذا كتِبَ حول استقلاليته عن العالم، واكتفائه بجسمه الكروي..كأنّي علّقتُ على ما تبيّن لي وأنا أتابع النظر إليه: يستحيلُ أنهم فهموا منه شيئاً، بقدّر ما حاولوا أن يفهموا بعضاً مما يعنيهم من خلاله، ليبقى هو القنفذ الذي يكون له عالمه المستقل.
أتُراني سمعته وهو يقول عند هذه النقطة:
-كم تسحقون بعضهم بعضاً أيها البشر! ترون أشياء كثيرة. عنّي أنا مثلاً، هل حاول أيٌّ منكم أن يحافظ على المسافة بينه وبين غيره، ليكون لكل منهما اعتباره؟
زاد شمشمة للمكان وهو يدور حول نفسه بحركة لولبية، وكأنه يقول: لا ..لا ..
لا بد أنه أنا من يقول ذلك، من يُسمّي ذلك ..
تتبعته مراراً وتكراراً، حيث كنت أعرف جيداً متى يخرج هذا القنفذ أو غيره.. كل القنافذ سواء، ورغم ذلك لكل قنفذ ما يبقيه محمياً من غيره كقنفذ ولصالح الاثنين. يا لها من مفارقة، ونحن بأجسامنا العارية نتصادم، لاغينَ المسافة تلك، لاغين نقطة " احترس "، وهكذا ..
شاهدته في وضعيات مختلفة، أعجبتني حركته الكروية، في جهات مختلفة، كأن الجهات نفسها تصادقه، يرى بجسمه وهو يحمي نفسه ..
ذات مرة اتخذت وضعية القرفصاء وأنا أقرّب رأسي منه، سمعت صوت تنفسه أو شمشمته، لا فرق، في كل ذلك يكون هو في وحدة أعضائه، وحدة جسمه، ثبتُّ ناظريّ عليه:
-تنظر إلي وأنت تنظر إلى نفسك، لن تحصل على ما يفيد...
هكذا تناهى إلى مسمعي.
ثم على حركة خفيفة، رشيقة، متوازنة، حركة صادرة من رجليه الرفيعتين انطلق غير عابىء بي، كما لو أنه يقول لي:
ستنزع علي وحدتي في هذا العالم اليوم..لن تحصل على ما تريد، لأنك داخل قوقعتك الصلبة كما تزعم، رغم قابلية جسمك العطب، عندما ترى ما أنت عليه جيداً سأنتظرك، وحينها سنتقابل في المسافة الفاصلة بيننا...ثم: لكن ذلك لن يحصل..
مضى واختفى في الظلام الذي يعرف كل منهما الآخر..
أتراني بقيت في النور؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى