دونك المس جفاف الأشياء
قصة قصيرة :
بقلم محمد محمود غدية / مصر
إبتسامتها تسقي جفاف الروح، سكرها زيادة يتحاشاها مرضى السكر، الصبح يستمد من وجهها الإشراق والضياء ، غمرت كل من حولها بالحنان ،
وغرست الزهور فى أرض لا ينفع فيها الزرع فأينعت وأزهرت، لها قدرة مدهشة على إمتصاص التعب والقلق، والربت...
عشقتها دون ان تعرفها، واحبتها بلا كلمات، وكيف تتكلم وهى البكماء !
احبت كفيفة، جمعتهما دار الأيتام وموسيقات السحر التى تنفذ للقلوب وترققها، تتغير قواعد الحب بين البشر ومفاهيم العادات والتقاليد، يجمع المختلفين
لا المتشابهين،
يعيشان الفقد والدفء الأسرى، لا يرضعان حنان الأم واهتمام الأب، فى مرحلة...
فى اجندة صغيرة انيقة، وجدها فوق مقعد القطار،
لم ينتبه صاحبها لفقدها،
او وضعها خصيصا لمشاركة قارئها آلام كاتبها، والتي كانت بعنوان ( يوميات امرأة )
مثل كل بدايات الحب الجميلة، كانت بدايتها
وحبيبها زميل الدراسة والتخرج والعمل، فى واحدة من الصحف المستقلة، التى يرأس تحريرها والده،
البدايات...
اخذ يسترق النظر الى تقاسيمها، كأنه يرى بشريا للمرة الاولى !
لديه كل العذر فجمالها لافت دون محاولة منها لابرازه، المقلتان واسعتان يؤطران العيون العسلية، التى تلمع ككرتين من البللور، ملامح رقيقة تخطفك وتمسك بك، تقدمته الحيرة والدهشة، وكأن قدمه ثبتت بالمسامير فى الارض، لايدري ان كان ذاهب ام آت نسى...
قادته خطاه الى المروج الخضر والبساتين، حيث كان يلتقى وحبيبته عصر كل يوم، بعد انتهاء محاضراتهم، صدمه اختفاء البستان والاشجار التى كانت تعرفهم وتبارك حبهم، اختفى الطير الذى كان يحط على اغصان الاشجار ويطرب لمرآهم، ذبحت الاشجار وتهدم البستان، وارتفعت مكانهم بنايات اسمنتية حجبت الشموس والاضواء،...
ما ابشع ان تكون الكلمات كسيحة، اقعدتها الهموم، تشاكسنا بين الحين والحين لتكتبنا، وتعاني مثلنا الغربة والكآبة، ترفض ان تغادرنا وتفعل بنا ماتفعله الاقدار بطير حبيس، يقفز فى سجنه المقبض حائرا يائسا، وغيره كثيرين طلقاء، محلقين فى الفضاء الواسع، تحط على غصون الاشجار والازهار،
تأكل الحب والنباتات...
رحبت بها الصخرة الكبيرة،
المحوطة بالطحالب الخضراء الملساء، فوق شاطيء النهر، الشاهدة على قصة حبهما،
هنا تراقصت الامواج على موسيقاتهما وفرحهما والاغنيات،
- تسألها الصخرة :
لماذا هى وحيدة ؟
فوجئت بدمعة تشكلت فى عينيها، دمعة لم تذرف بعد ! فقط تنتظر بلوغ الممر،
بعد ان فشلت فى السيطرة عليها،...
هى امرأة رقيقة المشاعر حلوة، يتوارى النسيم والصباح خجلا لطلة وجهها النضر، خدودها اشبه بثمر التفاح الناضج يدعوانك ويعلمانك انك فى مواسم القطاف،
اذا تكلمت لا تسمع صوتا وانما همسا تحسبه موسيقات هادئة عذبة، فى جملة الامر بستان ورد فى امرأة
تحمل مشاعر الحب البكر، فقط ينقصها النضج والتجربة، فى واحدة...
امرأة تكتبها الاساطير والحكايات، قادرة على الامساك بك والتمكن منك،
لا تملك امامها سوى التسليم ورفع الرايات البيضاء، ايامه المشحونة معها بردت وتقلصت واستكانت، بعد ايام الفرح والغناء، الطير والفراشات والازهار والاشجار تعرفهم، الحب ينير لهم الدروب ويطير بهم نحو النجوم والشموس والاقمار، ويعيد فلترة...
توطئة :
الكاتب ناظم حكمت طلب من
الفنان التركي عابدين دينو رسم السعادة :
فرسم لوحة فريدة هزت كل من رآها، سرير به اسرة مجتمعة من ثمانية افراد وكلبهم فى غرفة صغيرة، يتساقط من سقفها المطر، غطاءهم نصف بطانية مهترئة
والدجاجات تتقافز وتتصايح وتجري فى الغرفة .
..........
انها الاقدار التي وضعتها فى...
مسحورة ومجذوبة ليديه وعبقه، وثرثرته فى اعماقها، وسحلها للصحارى معصوبة العينين، لا تدري اين يفضي بها الحب واين المنتهى ؟ سميك جدا ذلك الرباط الذي ادخلته طواعية فى معصميها، امرأة لا يمكن انجابها الا من فاتنة خارقة الجمال،
عن ملكوت نرجسها، وجبالها الوعرة التي لم ينجح حتى الآن فى تسلقها، يكتبها...
شهيته للأكل سدت رغم حاجته للطعام، يكفيه ماتجرعه من آلام، حين أخبره والد العروس التي تقدم لخطبتها : أنهم فى إنتظار عريس جديد، لديه شقة وكافة مستلزمات الزواج، معتذرا أن الزواج قسمة ونصيب،
خرج متعثرا فى خطاه يسابق ظله، غير عابيء بوحشة الطريق، المركبات فى تسابقها وتدافعها أشبه بالنعوش الطائرة،...
التقيا تحت زخات المطر، ومظلات الباص، نظرة فابتسام فموعد فلقاء،
جمعهما الحب وزينت أصابعهما بخاتم الزواج،
ثلث قرن على زواجهما،
الذي اثمر عن إبنة وولدان، بررة طيبين، وحياة هادئة ناعمة، الزوجة أشبه بالنحلة الدؤوب لا تدخر وسعا فى إسعاد زوجها والأبناء، والعمل على راحتهم طول الوقت، الجميع شغلوا مواقع...
الوحدة لها ضجيج يصم الأذن، يتشربها المرء حتى الثمالة، الشمس تتوارى خلف السحب الرمادية، فى سماء شتاء ضبابي شاحب، سيل ماطر من بين رماد السحب، أحال تراب الطريق إلى وحل وطين، دلفا إلى أول مقهى صادفهما، إتقاء للبلل، يطيل النظر الى خدها، يتأمل شامة هى ليست بشامة، لكنها قبلة إحترقت فى سعير لونها...
هى كاتبة للطفل وهو قاص، غرقى فى بحر المعرفة، التي تبدد الوحشة وتنبذ القبح، المناسبة لقاء فكري فى إحدى الندوات، عجوز أبيض الشعر، نحيل العود، مازال يجري فى صفحة وجهه، بقية من حيوية، ملامحها تحمل بقايا جمال، هما فى سن مشبعة من معارك الحياة، تجلس وحيدة، قبل بدأ الندوة، أمامها على الطاولة فنجان قهوة...