يتأمل فى دهشة كل هؤلاء المرهونين بالحياة اليومية، من دون تغيير، يشبهونه أمام غرابة الحياة والصدف والتوافقات، سافر لبلاد البترول، لا تسل كيف دبر مصاريف السفر ؟
التجهم يسيطر على المدينة الواسعة سيطرة صارمة، مشرد فى ليل العالم الواسع، يشرب غربته مع فنجان شاي أسود يشبه مرار العيش الذي يحياه، طوحته...
كل شيء هنا جدير بأن يحدق فيه بعيونه الشرقية الظمآنة، قبل سفره .. هاتف حبيبته وانتظرها، وتساءل هل ستأتي ؟
اذا فعلت - واظنها لا تفعل - ولم تأتي وسافر دون وداع،
بعد تأكده ان مابينهما لم يكن حب، وانما شبه حب !
يرى حوله تماثيل جميلة فوق البنايات غير متربة، وشوارع نظيفة لامعة، ومخلوقات فى عدوها،...
لاحظ ان أنامل يدها، وهى تقدم فنجان قهوته المرة، طويلة مع دقتها ورقتها، صبوحة الوجه ضاحكة، يراها المرء يحسب أن عذابات الدنيا انتهت، والروح عادت الى الابدان، وجهها يضيء كالشمع يحسبه فى مثل نعومته، الكافية رغم بساطته، يلفك فى سحره، ولا ترغب فى مغادرته، الساقية يجن من يراها، ترفل بجسد الحوريات فى...
انتقت شبكة عيار ٢١ ثقيلة الوزن من محل الذهب، همست فى أذنه : احبك
حتى كان يوما، انتظرته وليمة من الأوجاع فوق رصيف الحلم، حين صدمته سيارة اثناء عبوره الطريق، مزقت ساقه اليمنى، التى لم يفلح معها العلاج الا بالبتر، واستبدالها بساق صناعية، بعدها تبدلت حياته، اصبح يميل للصمت والوحدة، طالت اجازته...
تلقاه حين تهب عليها عاصفات الحزن، كي تذرف فوق كتفيه الدموع، تحفظ ملامحه فوق ارصفة الطرقات، غير مسرفة فى الحب، الذى تكتبه فى الحكايات، كيف لا وهى البارعة شعرا وسردا،
لأنها على يقين ان الحب
لا يحصد الا التخلي وسيل الدموع !
اجمل الحب مايأتي متأخرا، بعد ثلاثينيات العمر وبعده، لأنه يكون فى ذلك...
الشاب الذى استأذن فى الجلوس جوارها بالقطار، كان مهذبا حين استأذنها، بالاضافة الى اناقته، يرتدى سترة وبنطالا ازرق محكم الكي، وربطة عنق هادئة، فتحت حافظة الكتب قاصدة ان تريه انها جامعية، عيناه مثبتتان بنافذة القطار، رسالة اهماله وصلتها، اخرجت هاتفها وكتبت لصديقتها على الواتس، ان الجالس جوارها شاب...
دونك المس جفاف الأشياء
قصة قصيرة :
بقلم محمد محمود غدية / مصر
إبتسامتها تسقي جفاف الروح، سكرها زيادة يتحاشاها مرضى السكر، الصبح يستمد من وجهها الإشراق والضياء ، غمرت كل من حولها بالحنان ،
وغرست الزهور فى أرض لا ينفع فيها الزرع فأينعت وأزهرت، لها قدرة مدهشة على إمتصاص التعب والقلق، والربت...
عشقتها دون ان تعرفها، واحبتها بلا كلمات، وكيف تتكلم وهى البكماء !
احبت كفيفة، جمعتهما دار الأيتام وموسيقات السحر التى تنفذ للقلوب وترققها، تتغير قواعد الحب بين البشر ومفاهيم العادات والتقاليد، يجمع المختلفين
لا المتشابهين،
يعيشان الفقد والدفء الأسرى، لا يرضعان حنان الأم واهتمام الأب، فى مرحلة...
فى اجندة صغيرة انيقة، وجدها فوق مقعد القطار،
لم ينتبه صاحبها لفقدها،
او وضعها خصيصا لمشاركة قارئها آلام كاتبها، والتي كانت بعنوان ( يوميات امرأة )
مثل كل بدايات الحب الجميلة، كانت بدايتها
وحبيبها زميل الدراسة والتخرج والعمل، فى واحدة من الصحف المستقلة، التى يرأس تحريرها والده،
البدايات...
اخذ يسترق النظر الى تقاسيمها، كأنه يرى بشريا للمرة الاولى !
لديه كل العذر فجمالها لافت دون محاولة منها لابرازه، المقلتان واسعتان يؤطران العيون العسلية، التى تلمع ككرتين من البللور، ملامح رقيقة تخطفك وتمسك بك، تقدمته الحيرة والدهشة، وكأن قدمه ثبتت بالمسامير فى الارض، لايدري ان كان ذاهب ام آت نسى...
قادته خطاه الى المروج الخضر والبساتين، حيث كان يلتقى وحبيبته عصر كل يوم، بعد انتهاء محاضراتهم، صدمه اختفاء البستان والاشجار التى كانت تعرفهم وتبارك حبهم، اختفى الطير الذى كان يحط على اغصان الاشجار ويطرب لمرآهم، ذبحت الاشجار وتهدم البستان، وارتفعت مكانهم بنايات اسمنتية حجبت الشموس والاضواء،...
ما ابشع ان تكون الكلمات كسيحة، اقعدتها الهموم، تشاكسنا بين الحين والحين لتكتبنا، وتعاني مثلنا الغربة والكآبة، ترفض ان تغادرنا وتفعل بنا ماتفعله الاقدار بطير حبيس، يقفز فى سجنه المقبض حائرا يائسا، وغيره كثيرين طلقاء، محلقين فى الفضاء الواسع، تحط على غصون الاشجار والازهار،
تأكل الحب والنباتات...
رحبت بها الصخرة الكبيرة،
المحوطة بالطحالب الخضراء الملساء، فوق شاطيء النهر، الشاهدة على قصة حبهما،
هنا تراقصت الامواج على موسيقاتهما وفرحهما والاغنيات،
- تسألها الصخرة :
لماذا هى وحيدة ؟
فوجئت بدمعة تشكلت فى عينيها، دمعة لم تذرف بعد ! فقط تنتظر بلوغ الممر،
بعد ان فشلت فى السيطرة عليها،...
هى امرأة رقيقة المشاعر حلوة، يتوارى النسيم والصباح خجلا لطلة وجهها النضر، خدودها اشبه بثمر التفاح الناضج يدعوانك ويعلمانك انك فى مواسم القطاف،
اذا تكلمت لا تسمع صوتا وانما همسا تحسبه موسيقات هادئة عذبة، فى جملة الامر بستان ورد فى امرأة
تحمل مشاعر الحب البكر، فقط ينقصها النضج والتجربة، فى واحدة...
امرأة تكتبها الاساطير والحكايات، قادرة على الامساك بك والتمكن منك،
لا تملك امامها سوى التسليم ورفع الرايات البيضاء، ايامه المشحونة معها بردت وتقلصت واستكانت، بعد ايام الفرح والغناء، الطير والفراشات والازهار والاشجار تعرفهم، الحب ينير لهم الدروب ويطير بهم نحو النجوم والشموس والاقمار، ويعيد فلترة...