(1)
أمشي على ظِلِّي
لا جهة تُسمّيني، ولا حائط يُقْسِم باسمي،
كلّ ما في الأمر أني وُلدتُ من عَطَسةِ ريحٍ
بين رَجَّتَيْنِ في رحمِ السُدُم،
ومذّاك، وأنا أزحف على قَصَاصاتِ اللّغة،
كأنني يتيمُ الأبجديةِ،
أنقّبُ في لهاثِ المفرداتِ
عن بُكاءٍ يصلحُ للكتابةِ،
وعن مجازٍ
لا يلتفتُ إذا مرّتْ بجانبه اللغةُ...
الآن، تمسحين على جلدكِ،
فتدركين أنكِ عبرتِ ليلةً أخرى،
وأن وحشةً كانت تتربصُ بكِ، لكنها لم تظفرْ بكِ.
تُطلِّين من كوَّةِ الزمنِ،
فيقتحمُكِ الضوءُ كذئبٍ،
ويقتحمُكِ معه إدراكٌ مبهمٌ للغدِ،
أو يُشبهُكِ حين تتلوَّى رغبتكِ في الحياةِ كأفعى.
أعلمُ أنَّ فيكِ صحوةً بطيئةً،
لا لوَهنٍ،
بل لأنَّ روحكِ...
يا كاساندرا، يا صدى الريح في معبدٍ مهجور،
أرى في عينيكِ زوابعَ
وأسواقَ مدنٍ تُباعُ على أطرافِ مجرةٍ تحتضر.
هذا الليل، يا ابنةَ الملوكِ الأوائل،
ليس مجردَ غيابِ شمسٍ،
بل هوَ خيطُ النسيانِ الذي يشدُّ على أعناقِ الممالكِ العائدةِ من رمادها.
الصحاري تشربُ دمعَ النجومِ،
والأنهارُ تُغيرُ مجراها هرباً...
إيف.... قيثارةَ الروحِ
تَتَوارى الشُّرُفاتُ خلفَ ضبابِ الذاكرةِ الأرجوانيّ
حيثُ لا ينامُ الليلُ إلا على أهدابِ قمرٍ أخرس.
هنا، تتساقطُ الألوانُ
من لوحةِ الرسامِ الذي يحرس الليل في عينيكِ
وتُعيدُ الريحُ تشكيلَ النوافذِ
في قلبِ مدينةٍ اعتادتْ على غيابِها.
إيف،
يا مَن وشمَ العطرُ اسمها على...
زينب... رفيقةَ الدربِ
ظننتِ أنكِ وحدكِ
في هذا الفضاء،
لا كفَّ تمتدّ، لا روحَ تشاطرُ،
أن الألمَ قدرٌ لا مفرّ منه،
وأن الجفافَ قد استوطنَ في شرايينكِ.
كم من مرةٍ أقسمتِ ألّا تحبّي،
وألّا تعطيَ جزءًا من قلبكِ المنهك.
لكنّ القدرَ، يا رفيقةَ الدربِ،
يخفي في طياته سرًّا.
فبينما كنتِ تجمعينَ شتاتكِ،...
(1)
ما اسمكِ؟
لا يهم.
أنا لا أنادي الأسماء،
أنا أنادي الجمرَ حين يتسلل تحت الأظافر ويقول: "أُحبّك."
كُنتِ مرآة؟ مزّقتها.
كُنتِ لحمًا؟ مضغته حتى صار فكرة.
كُنتِ صلاةً؟ دنّستها بلعنةٍ رطبة.
أنا لا أكتبكِ،
أنا أُجلدكِ على الورق حتى تتسرب أنفاسك من بين السطور كغُصةِ من لم يُغفر له.
(2)
كنتِ تمشين...
أنتِ أصلُ الخَلقِ،
إزميلُ نَحتِ الأبدية.
أدعُ للموجِ الهادئِ نصيبي من السكون،
فلم أعد أشتهي مرسى،
بل أبحثُ عن أثرٍ لا يُطمسُ بمرورِ الزمن.
هذه الأزمنة
ظلٌّ يتراقصُ على حوافِ العدم،
تُضيِّعكَ بمجرّدِ أن تُحدّقَ في ملامحها.
تُقيمُ في فناءِ الذاكرةِ وتُعلّقُ سقفَها في صدرِكَ،
تُحوّلُكَ إلى...
1
كنتُ أُطلُّ من نافذةٍ بلا زجاج،
أراقب الغيوم وهي تتعارك مع نفسها
وتسقط أوراق توتٍ على أرصفةٍ لا تتذكركِ
كنتِ تمرّين بثوبٍ من ضوء النيون
كأنكِ تسحبين شارعًا كاملاً من الليل خلفك
وترسمين بأصبعكِ خارطةً لمتاهةٍ داخل صدري
ضحكتِ — فتعثّرتُ بحذاء الغياب
وهربتُ منّي إليكِ كأنني لصٌّ خجول
وسمعتُ قلبي...
يا امرأةً من خريفٍ أزليّ،
تنهضُ الأرواحُ فيكِ نداءً قرمزيًا.
أنا العطشُ الذي لا يرتوي،
كـ"تانتالوس" الأسطوريّ،
أمدُّ يدي لماءٍ ينسابُ هاربًا.
لستُ ظمأَ جسدٍ، بل جوعَ روحٍ تائهةٍ،
تتوقُ لأوّلِ وميضٍ في العدم.
في سِفرِ "هيدرا" العظيم،
يتناثرُ الندى من عينيكِ، قطراتٌ لا تُطفئُ نيرانَ الأزل.
أنتِ...
أنينُ فراشاتٍ زرقاءَ تحطّ على جبينِ الليل
ذاك هو اسمكِ حين يرتعشُ فوق ألسنةِ الغيب.
أتذكرينَ كيفَ ارتحلتْ نجومُ السماءِ
لتعششَ في شباكِ عينيكِ؟
يا سلالةَ الفجرِ التي لم تنكسرْ شمعتها
حين تكسرتْ أضلاعُ الصمتِ على فوهةِ الروح.
كم من مرةٍ أورقتْ يدُ الريحِ على خاصرةِ العمر،
تفتّشُ عن رائحةِ...
يا ماري،
أيتها القديسة التي تهمس للغيوم،
قبل أن تُثقل الرموش نعشي، وتصير الحناجر أودية للصدى،
قبل أن تذوب خطاي في وحل النسيان.
جرّبي أن تُشعلي قنديل التوبة في محراب قلبكِ العتيق،
أو أن تُلقي صليبكِ الذهبي فوق رمال الشاطئ المهجور،
وتُراقبي كيف يختنق الموج تحت وطأة ثقل الإثم.
يا ماري،
يا من ترسمين...
بحوزتي ما يكفي من الأيامِ الرديئةِ
هذه البئرُ مثلًا
التي لا تراها غالبا ولا تشعر بها وأنت تمرُّ بمحاذاةِ ظلِّي
أنفقتُ في حفرِها نصفَ عُمري
منذُ عشرين عامًا تقريبًا أو أكثرَ
وأنا أتفاعلُ مع الأشياءِ
لم أكف عن الثرثرةِ مع الأحجارِ والأفاعي
عن شتمِ الألمِ وغرفِ الطوارئِ
ورجالِ الدِّينِ وأطباءِ...
أحببتكِ مؤخرا
أنا ابن أمي الأولُ
ومع ذلكَ ولدتُ آخر المطاف على بُعدِ سنتيمترٍ من العتمةِ
بساقِ ونصف
أتوقفُ أحيانا كحيوانٍ أليفٍ أمامَ شجارِ الإخوةِ والأخواتِ
وكنمر أسود ومتوحش إذا أردت إطعام صغار العصافير،!
..
أنام الأخير على وسادة ينخر جمجمتها السوس
وأقوم الأخير كغيمة عابرة
على كل حال كانت...
نصوص المزاد
نحن في عطلة نهاية الأسبوع.
لا أعمال ضرورية.
الكتاب على الرف.
والعزلة على السرير
والوردة تتلكأ في فم البحر
والبنت في خيال الأصابع.
أشياء كثيرة صالحة للقتل.
أشياء كثيرة صالحة للاستهلاك
وقيامة الحرب وانقلاب الشيء
في اللاشيء.
نحن في عطلة نهاية الأسبوع.
لا أعمال ضرورية.
اللوحة تعبت من...