لم تكن قصة زواج "صفية السادات" من الشيخ "علي يوسف" في مطلع القرن العشرين مجرد واقعة أسرية عابرة، بل كانت الزلزال الذي هزَّ أركان المجتمع المصري آنذاك.
فبينما كان الشيخ علي يوسف، الذي بدأ حياته فقيرا ومن أسرة متواضعة النسب في قرية بلصفورة بصعيد مصر، قبل أن يشق طريقه إلى قمة الهرم الصحفي...
ما بين هدير الطابور وضجيج الفصول، كانت تمرُّ أمامهُ حاملة دفاترها في يد، وفي الأخرى قلبًا لا يريد أن يَفلِت. لم يكن يراها، بل كان يقرأها. رآها كما تُرى المدن القديمة عند الغروب: بهيّة بلا تباهٍ، خفيّة بلا مُواربة. فيها شيءٌ من أمِّه، وصدقٌ لا يعرفه إلا مَن نشأ في الجنوب، وصوتٌ يرتجف منه الخجل لا...
لم يكن في ملامحه ما يدعو للشك. جاءها في هيئة رجل هادئ يلوذ بالوقار، يحملُ في صمتهِ رجاء أرمَلٍ يبحث عن سَكينة. صديقٌ مشترك قرَّبه منها بعد رحيل زوجها، ولم يُطِل في التفاصيل، اكتفى بالإشارة: "يعيش في الدولة الخليجية التي تعملين بها... رجل طيّب." صدَّقته.
لقاؤهما الأول كان مُتكئًا على...
بَدا كلُّ شيءٍ ساكنًا كالماء الراكد، والأيامُ تمضي بهدوءٍ يخفي صخبًا لم يُولد بعد. نظراته، صمته، وجلوسه المنفرد في زاوية المكتب... كلُّها أمورٌ لم تكن تلفت انتباهها في الماضي، لكنها الآن غدت كألغاز تتوسَّط يومها ولا تُفك.
كان يطيل النظر في دفترٍ قديم، يفتحه حين يظنُّ أنه وحده،...
لم يكن الشارع سوى نهرٌٍ هائجٌ من الخُطَى المتعجِلة، وجوه تتراكضُ كأنها تُطاردُ شيئًا لا يُدرَك، بينما كنتُ أُجاهدُ لأشقَّ طريقي في قلب الزحام. لم أرَ سوى موضع قدمي، أتفادى الأكتاف، وأتسللُ بين جدران من الضَوء والصوت، أركضُ من المنشية صوبَ محطة الرمل، حيث موعد لا يحتمل التأجيل.
ثم...
يظنُّ بعض القرَّاء أن الكاتب حين يكتبُ بضمير "الأنا"، إنما يروي حكايةً عاشها، أو يُفصحُ عن ظلٍّ من ماضيه المستتر، فيُسقطون عليه المعنى - حبًّا أو حنينًا أو ظنًّا - كأنَّ النص مرآةٌ تبوح بما أراد إخفاءَه.
لكن الكاتب، في لحظة الكتابة، لا يكون نفسه تمامًا؛ يكتبُ لا ليحتفظ بما يمرُّ...
تَسلَّل عطرُها في هدوءٍ ليُعلن عن مجيئها، كوشوشةٍ قديمةٍ يعرفها القلب قبل الأنف. توقّفت أنفاس القاعة. تحوّلت الأعين عن المحاضر الماتع، واشرأبَّت الأعناق إليها في شَغف، كأنها الحلم حين يمشي على أطراف الوقت.
تهادَت بين الصفوف في شموخ لا يطلب اعترافًا، لا تعبأ بهمهمة الانبهار ولا...
"أحيانًا نُقيمُ فيمَن نُحبُّ كما يُقيمُ الغريبُ في نُزُلٍ مؤقَّتٍ... يَغادِرُهُ وهو يحمِلُ معهُ شُعاعَ نافذةٍ لا بَيتًا."
(١) الـمَرفأُ الذي غاب:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أويتُ إليكِ كما تأوي الأرواحُ إلى أصلها
باحثًا عن دِفءِ المَعنى في جَسدٍ من رحمةٍ ونور....
في زحام الحياة اليومية، تمر الأخبار كالعواصف العابرة. نتابعها سريعًا، ثم نغلق الشاشات، ونمضي. لكن بعض الأخبار ليست كغيرها، وبعض الجرائم لا يجب أن تُنسى، لأنها لا تقتل إنسانًا واحدًا فقط، بل تُصيب الضمير الجمعي برصاصة، وتنذر بفقدان ما تبقى من إنسانيتنا.
حادثة "صبي المقهى والشاب الآخر"...
الموتُ لحظة جليلة، ومَشهدٌ تهتز له النفوس، وتتصدع أمامه القلوب. هو انتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دنيا العمل إلى دار الجزاء، حيث لا ينفع مالٌ ولا جاه، وإنما ينفع ما قدَّم الإنسان من عمل صالح.
ولذا كان من تمام الأخلاق ومن لياقة الأدب مع الميت ومع شعيرة الموت أن يُشيَّع...
ها أنتِ - أيتها الغامضةُ -
تُحكِمينَ الطَّوقَ من حَولي
كأنكِ قدَرٌ يتنزَّلُ بلا إنذار
فأغدو مُحاصَرًا بسُلطانكِ
مُرتهنٌ بسَطوةِ حضورك.
حصارٌ في النهار...
ليس قيدًا، بل طوفانُ صُورٍ مسحورٍ
أراكِ فيه كلوحةٍ أسطوريةٍ
معلقةٍ على جُدران الطريق
منثورةً على زجاج النوافذ
وتطلُّ من وجوهِ العابرينَ...
ألقَيتِ إليَّ حُبَّكِ...
كما يُلقَى قمرٌ في بئرٍ مظلم
فتكسَّرت دوائر النور
على سطح مشاعري الراكدة.
أيْقظتِ قلبي من سُباته
وانتفضَ من تحت ركام السنين.
كنتُ أعيش في محارة النسيان
أتغذّى على فُتات الذكريات...
حتى أتيتِ…
فأحرقَت أنفاسكِ الماضي
وجعلتِ القلب بين أصابعكِ طينًا طيّعًا
تبنين فيه...
غَدوتُ مُمتلئًا بكِ.
أستنشقُ حضوركِ في كل نَفَس.
أشعرُ بكِ نَسمةً نديةً تنسابُ في رئتيَّ
وأكتمُ أنفاسي كي تستوطني صدري.
انسابي في عروقي.
وازرعِي ظلالكِ في بساتين الذاكرة.
تَجلِّي في دهاليز القلب
واتخذي من نِنِّ العين مَسكنِكْ.
إنِّي أدمنتُكِِ
وسأظلُّ مُترعًا بسُكركِ.
ابقي معي
واجعلي...
ليست رواية الأم (1906) مجرد عمل روائي عابر، بل وثيقة إنسانية وفكرية صاغها مكسيم جوركي بمداد من الوجع والأمل، ليؤسس بها نمطًا جديدًا من الأدب، يُعرَف بالأدب الواقعي. وفي هذا النص البديع، تتجاوز الرواية سرد حكاية فردية لتكون بمثابة سردية شاملة لصراع الطبقات، ولميلاد الوعي الثوري من رحم...
في أحد أروقة العالم الرقمي، سقط رجلٌ أربعيني في شِباك امرأة احترفت الخداع. ُاستدرجته بحساب مزيف وصور مغرية، حتى جردته من أمواله، وكادت تُجرده من كرامته.
لم يكن السلاح سكينًا ولا مسدسًا، بل كانت الكاميرا، والهاتف، وكلمات مُنمقة تُخفي خلفها نوايا سوداء. جريمة إلكترونية كاملة الأركان،...