د. سيد شعبان

أستهل كلمتي إليك أيها القاريء الحبيب بقول الصادق الأمين :"الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ". لأقيم الحجة دامغة أن الدكتور د.سيد شعبان من كرام الناس أصلا ومحتدا إذ إن من أمارات أولاد الأصول حفظ الود وعدم نكران الجميل ولا إخال أحدا من الكتاب المعاصرين قد شغفه والداه...
لم تنته حكايات ذلك المكان؛ يختفي وراء التلة؛ تغيب عنه الشمس؛ يبدو خارج دائرة الزمان؛ تتجمع تلك المفردات يقتاتها كما أرغفة الخبز؛ نهاره ينسل من ليله؛ يلوك ما انطوى عليه؛ غير أنه هذه المرة من البئر الذي يختزن فيه أسراره بدت الحكاية أشبه بالخيال؛ يقول أبو قمر: اقترب زمن سيدنا الخضر؛ في يديه مسبحة...
في كفرنا حكايات تروى، تسري مع النيل كما الموج، نتبلع بها في أيام الجوع، نرتديها أسمالا تستر أجسادنا، نلزم الصمت حيث يشوي ظهورنا السوط، نحدث أنفسنا سرا؛ لذا جمدت شفاهنا وصارت عضوا عاطلا عن العمل ككل أجسادنا؛ نسترخي في القيلولة على ظهورنا فيمرح الذباب، نفتح أفواهنا لما يجودون علينا به، نشكر ونحمد؛...
دب عمنا الشيخ صالح في كفر أبوقتب كما النمل؛ يتوكأ على عصاه؛ مسبحة خضراء معلقة برقبته، يتطوح يمينا وشمالا؛ تعلو ظهره حدبة أشبه بحجرة الرحى؛ يملأ سيالة جلبابه بحبات النعناع؛ يتبعه الصغار؛ يهبها نفحة من نفحاته؛ غير أن شيئا ينقصه؛ يضرب بعينيه في ممرات الكفر؛ تسكن حاراته ذوات الخد؛ وللقد منهن صنعة...
لا أعلم أديبا تربطني به آصرة غيره؛ على أية حال لست من أقربائه؛ وإن كانت سحنتي كما يراني الآخرون أشبه بسمرته، تلك القرابة جاءتني من سريان نصوصه بل شخصياته في سردي، أزعم أنني أسايره حتى لايعترضني جني ممن سكنوا كرمكول وأمدوه بحكاياته التي لايكاد يقربها إنسي، هو مبدع على طريقته من صوغ عباراته...
منذ فترة تساءل كثيرون: من أين آتي بكل هذا الحكي؟ هذا سؤال إجابته تحتاج بوحا صادقا؛ كل إنسان منا لديه القدرة أن يناغم بمفرداته أو أن يعزف بنايه أو أن يضرب على أوتار عوده، في الحقل يتراقص النبات ، تهتز الأشجار، تلهو الحملان وراء أمهاتها، في النهر تتماوج الأسماك طربا. ظن بعض من أهلي أنني ألخص الكتب...
قال لي ذات يوم: لم تفلح في شيء إلا في هذه الحكايات؛ تخيط منها ثيابا للدراويش، ترسم لوحة لعالم يقبع في خيالك؛ حذار ياولدي أن تمس عتبة مولانا السلطان؛ سيفه باتر وسجنه مغارة في جوف الجبل؛ حذار أن تخرج من الباب الذي يتحدث عنه الخرس؛ يومها لم أع ذلك؛ ومتى يأتي ذلك الطائر الذي يخوفني منه؟ وهل سيتكلم...
تفر الكلمات من قلمي؛ تبدو الخيالات قمرا ينير في ليالي العتمة، نحسبها وميض القلب فنتحسسه، نمزج بين الأمل والألم في جديلة آسرة، كانت مثل فراشة تمعن في الحركة كلما همت بها يد، ابتعدنا كل في عالمه. المسافات تقف حاجزا، يصعب على المرء أن يتجاوزها، مثل طيف يخدع العقل، يعمي البصر، الخيال يصنع الوهم؛...
لا أخفي عليكم حدثا شغلني الليلة في منامي؛ كل ما أعاني منه في النهار يأتي -متتابعا مثل شريط سينمائي- في الحلم: آنا أجد له حلا وآونة أعجز عن فك شفراته. هذا سر لا تخبروا به أحدا، بالتأكيد حالة مرضية لكنني لن أذهب إلى طبيب نفسي؛ غير معقول أن يراني صغاري أو تعلم زوجتي بأنني مصاب بالهذيان. لا تتمنى...
حان أوان كشف السر الذي حاولت تكتمه؛ فقدت ذاكرتي أسبوعا كاملا؛ لم تجد محاولات أمي نفعا، بكاؤها استمر ليل نهار؛ تندب ولدها، حين يدهم الداء الصغار فالأمهات قلوبهن تصاب بالحسرة، أخذت- كما قالت لي اليوم- تعيد على مسامعي بأنني ذو لقب مبارك، يحلو لها أن تدعوني المصبح، لم تنم منذ دخلت السرداب القهري،...
يبدو أن شتاء هذا العام يحمل في تجاويفه حالة من الخوف المسكون برغبة في الانزواء بعيدا عن المحيطين بي، بحثت عن الثياب المخزنة لهذا البرد القارس، أمعنت في خزانة الأشياء المكدسة فقد تعودنا على هذا كثيرا؛ نرتق القديم ونضع عليه بصمة اليد التي تدل على أنه شذب وصار يصلح لعام آخر، وكلما مر فصل تحملنا...
أمسكت بقلمي الذي هجرته زمنا؛ بي حنين إليه، لعل شيئا ما يدفعني، تبدو السماء مثقلة بالغيم؛ من بعيد رأيته يترنح في مشيته؛ يحمل عباءة الزمن؛ أسرعت لأحتضنه، ترى ما الذي جاء به؟ إنه يشبه أبي! ذلك الوجه غزته التجاعيد! بدأ يسرد حكايته؛ تركوه وحيدا؛ يطول ليله وتتراقص عقارب الساعة في رتابة الموت. لم أشأ...
بيضة ديك لمولانا ساكن القلعة؛ منذ سبع سنين عجاف وهو يتلوى كل ليلة في فراشه، الحمراء والصفراء بل حتى السوداء التي تضج نارا لم يفلحن في شفائه من دائه، تجمعت الشياه عند الماء، في بلادنا لا تنفرد واحدة وإلا كان الذئب، حدثني جدي عن ديك يخرج ساعة يؤذن لصلاة الجمعة؛ بين الخطبتين: الأولى والثانية؛ يزهو...
في بداية الخليقة كان ماء وسماء وأرض، ظلام ليل وضوء نهار، شمس وقمر؛ ثمة حياة، وبعد؛ فما بعث الله غرابا يبحث في الأرض؛ الليلة الأولى بعد الألف تعيد البشرية سيرتها ؛ قابيل يمرح لاهيا وينتشي حين يراقص سالومي يشرب نخب دم أخيه، يلهو سعيدا، تأتي الغربان لتعلمه كيف يمزق جسده، يقطع عضوه، في وهج الخمرة كل...
قد يبدو العنوان مختلفا بعض الشيء وهذا ما أردت الحديث عنه؛ في عالمنا ما يدعو للحياة؛ يقهرنا الواقع ويخيم علينا اليأس؛ تتحطم أحلامنا تحت قيود الجهل والفقر والسوط، يتفشى المرض ويتعالن القبح؛ نجري ونلهث لكننا نفقد البوصلة؛ إنه شتات يتسع بحجم الوطن ومن ثم نلعق جراحنا، في ألفية جديدة تقتلنا نفس...

هذا الملف

نصوص
582
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى