د. سيد شعبان

في هذه اللحظة تبدل كل شيء، صار المعتاد محالا، إنه يرى وجها آخر طالما كان يجده معه، إنها الدائرة تتسع تجمع أخلاطا من كل ناحية، ماذا حدث؟ هل كان زيفا ما عاش له؟ تنكرت له الوجوه، نأت بجانبها النفوس، في زمن العتمة تفقد الاتجاهات بوصلتها، يغدو العالم أشبه برجل فقد ذاكرته. تذكر الوصايا التي ملت شفاه...
بالفعل كان حبا في زمن الكوليرا؛ أمضيت مائة عام في متاهة الجنرال معصوب العينين، سألت نفسي أكثر من مرة لم لا ينتهي موسم هذا الحب؛ للمطر سحاب يتتابع؛ والخريف موعد تتساقط فيه الأوراق، أما أنا ففي تلك المدينة أسعى، أفقد كل يوم أحد أصدقائي؛ بت وحيدا في كل شيء؛ أعاني العزلة ويقتلني الاغتراب؛ رغم كل هذه...
ما عدت أستقر على لقب؛ فكل الصفات المحببة إلى نفسي والتى امتلأ بها معجمي تتداعى إلي، كم أنا فقير في السرد! لاضير فقد دارت الحياة بي مثل حجر في طاحونة عملاقة تربض جوار بيتهم، كان قطار الدلتا يتوقف هو الآخر عند جنة النخيل التى تحوط هذا البيت الرابض فوق تلة جادو تلك التى صعدها درويش بالناعسة حيث سلم...
خرج من بيته والدنيا أشبه بحبل يلتف حول رقبته، يضغط على صدره هم ثقيل ،نظر في وجوه ركاب الحافلة، كل واحد منهم يعيش في عالمه؛ عيونهم تتحرك كما لو كانت تنظر إلى شيء ما، الرتابة تستبد بهم، يترك غبار الحافلة أثره على وجوه المارين، تبدو في حالة من العبث، علها أشبه بمدبنة خرجت لتوها من تحت أنقاض زلزال...
سألني -والهم يكاد أن يقتله، الدمع يسبق كلماته، شفتاه تتحركان فتتداخل الأصوات كأنما هناك عدو يرقبه، ينظر في كل ناحية، القلق يستبد به- أي حرية تلك؟ المدن صارت أثرا بعد عين، إنها أشبه بخرابات تجري وتلعب فيها الجرذان، لقد أحرق نيرون روما وجلس يعزف على أوتار عوده ويشرب خمرا حتى الثمالة! انظر هؤلاء...
أتسكع هذه الأيام في فضاء لاينتهي؛ ثمة أمكنة لما أحط بها خبرا؛ بنايات تعود إلى أزمنة سحيقة؛ سكنها أناس مثلنا وارتحلوا؛ يضرب الموت بمعاوله كل آونة؛ يمكث الحزن فترة ثم ينقضي؛ تخبرني أمي بحكايات عجيبة، عن صنف من البشر كانت لهم عيون تشبه حبات العنب؛ أنوفهم طويلة تقارب الشبر ونصف؛ أصابهم الصلع فتعكس...
الألوان الرمادية توحي بكثير من الملل، لم أستطع يوما أن أميز بين درجاتها، فيما مضى كان اللونين الأبيض والأسود هما ما أراه من عالمي المحيط، الآن ولجمال ذوقها صرت أتعرف على المزيد منها، هذا "تركوازي" وذاك "نيلي" ألوان "قوس قزح" السبعة تبدو رائعة فوق أشجار حديقتنا، وجب علي أن أرى الناس بتلك العين...
يتبادر إلى ذهن الكثيرين أنهما مترادفان يدل أحدهما على الآخر سيما وفي الأمر اتساع عند غير النقاد. نعم السرد حكي ممزوج بملحة من تفرد تغني الأسلوب وتزين الكلام وتخايل به، فكل سارد يحكي وليس العكس؛ الحكي انطلاق قاطرة دون مراعاة لأنظمة السير، قد يهرف الحكاء ويأتى بما يود غير مأتلف أو مشذب فتشعر حين...
يحمد من المنازلات ما يكون بين أصحاب الأقلام من نقاش هاديء أحيانا وقد يثور فيذهب إعصارا في أحيان أخرى؛ سجال حول مفردة بانت عن موضعها فشردت أو ملحة إعرابية تأولها متأول على وجه آخر. تلك صورة مصغرة لما يظن بأنه نقد، لكن الدوي ما كان من نقائض شعرية بين الفرزدق والأخطل وجرير، إنك واجد صخبا وحوارا...
علي أن أجمع أشيائي، فالموعد اقترب، عقارب الساعة في صراع مع الزمن، يمسك بأطراف ثيابي، عمر ولدي ياله من طفل وديع! ينظر إلي كأنما يستحلفني ألا أرحل، الدموع من عينيها تنبيء بما يدور في مخيلتها. الرحيل؟ هكذا هي، تستشرف الآتي ، تمعن في التقصي، فأدق الأمور تعلل أسبابها، يلتهم الغلاء كل شيء؛ يحتاج...
لاأزال ذلك الفتى الذي يبحث عن مواطن السرد وخفايا الحكي في عالم يمور إبداعا ويدفع بأكثر من اتجاه يتجاذب القاريء العربي؛ الوادي الخصيب بأهله وتياراته؛ في علاقة لن تنفصم عراها بحكم الجغرافيا والهوية؛ مما يعز في النفس أن نجهل أدب السودان الذي يغتني بحكايات وبسرد مغاير؛ كان أول ما تعرفنا منه شعر...
ما تزال العلاقة بين الشرق والغرب محورا هاما من تلك الجدلية؛ علاقة حربية وآونة اقتصادية لكن الأخطر فيها أن تكون فكرية تتخذ من الأدب إطارا لها. تمثل الدراسات النقدية حول أدب الطيب صالح مجالا ثريا للتعمق في جذور الحياة السودانية وكشفا عن عوالم خفية لدي القاريء العربي الذي اعتاد القراءة لرواد آخرين...
كل شيء في هذه البلدة يوحي بالخرص؛ صمت ثقيل يطبق فوق أنفاسي؛ من بعيد يتناهي إلى مواء قط ونباح كلب؛ أغوص في الفراش؛ أتحين شروق الشمس؛ حين يأتي النهار تعاود الحياة مسيرتها؛ أسرع إلى هاتفي لألتمس خبرا جديدا؛ لاشيء، أدور في حجرتي وأبعثر أوراقي وأرتبها من جديد؛ أعلم أن الزمن لايتوقف؛ على الطرف الآخر...
لم تصلني إلا بعد فترة طويلة ، لقد كتبها وهو يودع كل أصحابه، لم يجد أحدا غيري يعهد إليه بأسراره، لم يشأ أن يغادر وكل هذه الأحمال على كتفه، أراد أن يتخفف منها، البوح كثيرا ما يخفف التعب النفسي، بل أحيانا يكون علاجا لآلام الجسد، أخبرتني أختي الكبرى : كان ثابت القلب، لكنه كان يمس جدران البيوت التى...
يبدو كائنا لزجا يضع أنفه في كل شيء، يتحاشاه كل من يتعامل معه؛ أطلقوا عليه الرجل الحرباء؛ تلك حقيقة حاول جاهدا ألا يعرفها أحد عنه؛ في الصباح يرتدي القناع المموه يقابل به زملاءه في العمل؛ يبتسم تلك الابتسامة اللزجة، بتبسط في الكلام ويتخفف من تلك الرتابة المنتشرة بين جدران العمل، يفتعل حوارا وراء...

هذا الملف

نصوص
489
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى