في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب...
من وراء زجاج شرفتها في الطابق الثالث، وقفت سارة تراقب العالم كما لو أنه فيلمٌ بلا صوت، بطله المطر. غير أن المشهد في الأسفل خلخل منطق الأشياء: شابٌّ في عمر الحلم، ممدّدٌ وسط الشارع، غارقٌ في بركةٍ من ماءٍ وطين، كأن القاع الذي هرب منه طويلاً قرّر أخيرًا أن يحتضنه.
لم يكن يرتجف.
وذلك وحده كان...
ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي بحثت عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وجدت أخيرًا ما تبحث عنه حين وقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع.
استقبلها صِهرها بذراعين مفتوحتين وضحكة دافئة، قبل جبينها أمام الجميع قائلاً: هذه ابنتي التي لم أنجبها.
في تلك اللحظة، شعرت أن...
بين صخب المسافرين وضجيج الحقائب التي تُجرّ على عجلاتٍ متعبة، اتسعت صالة المغادرة لكل شيء إلا لقلبين على وشك الانفطار.
تعلّقت أمل بطرف معطفي. بلغت الخامسة من عمرها، خفيفة الجسد، ثقيلة التمسك. شدّت القماش الصوفي كما لو أنه باب بيتٍ يُغلق ببطء. انحنيتُ إليها، حاولتُ أن أبتسم، أن أشرح لها أن...
الجزء الأول
ثمة كُتّابٌ لا يخطّون الحروف عَبثاً، بل يؤسسون "مشروعاً كينونياً" تتقاطع فيه الرؤية الفلسفية بالصنعة الأدبية. والكاتب أحمد عبد الله إسماعيل واحد من هؤلاء الذين ينتقون مضامينهم بعناية فائقة، غير هيّابٍ من ولوج "عش الدبابير" أو مقاربة المسكوت عنه؛ لذا فإن نصوصه لا تمنح قيادها للقارئ...
يعجبني الإهداء؛ حيث أهدى الكاتب روايته إلى المخيمات المكشوفة؛ لأن أول ما يتبادر إلى الذهن عند مطالعة الإهداء هو الصراع العربي الإسرائيلي وملاحم المقاومة في الأراضي العربية المحتلة وما حدث في دير البلح وخان يونس بمجرد قراءة "المخيمات المكشوفة". وبالتالي فقد نجح الراوي بصورة لافتة أن يبرق ويومض...
عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا يقطعه انقطاع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي فترفرف ببهجةٍ تملأ الأرجاء.
ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها...
وقفت "هناء" أمام نافذة غرفتها، تتابع خيوط الضوء الأخيرة وهي تنسحب من سماء المساء في انكسارٍ هادئ. ذكرتها لحظات الغروب بأن يومًا آخر من عمرها قد مضى، مجردًا من الدفء، تمامًا كما تتلاشى سنوات شبابها خلف وعود "الرخاء المنتظر". من خلفها، انبعث صوت برنامج تلفزيوني خافت، تخللته ضحكة اصطناعية لابنها...
(الجزء الثاني)
تتشكل رواية "عدالة الذئاب" للكاتب أحمد عبد الله إسماعيل كصرخة وجودية تنبثق من أعماق الوعي الجمعي العربي، حاملةً في طياتها أثقال التاريخ وآلام الجغرافيا. فهي ليست مجرد سردٍ لمسيرة لاعب كرة قدم استثنائي، بل هي رحلةٌ معقدة عبر دهاليز الهوية والانتماء، تُطرَح فيها أسئلة مصيرية عن...
ج1
تُعد رواية الكاتب أحمد عبد الله إسماعيل وثيقة أدبية ونقدية تستشرف ملامح الصراع المعاصر، مقدمةً رؤيةً سرديةً تتجاوز التقليد لتشتبك مع مفهوم "القوة الناعمة" في أبهى تجلياتها. وفيما يلي قراءة نقدية للمحتوى الروائي:
عتبة النص: دلالة الإهداء ورمزية المكان
يستهل الكاتب عمله بإهداءٍ لافت يحمل شحنة...
حين انكسرت المرآة، لم يستيقظ "آدم" بسبب الصمت في ذلك الصباح، بل بعدما أفزعه الفراغ.
اعتاد آدم، الذي يعيش نصف يومه خلف الشاشات ونصفه الآخر داخلها، أن يفتح عينيه على وهج الهاتف. كرر طقوسه المقدسة: جولة في غابة "فيسبوك" لمعرفة من سافر ومن عاد، من تزوج ومن رُزق بمولود، غوص سريع في محرك "جوجل" بحثًا...
في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث تتراصّ المجلدات الصفراء، جلس الشيخ منصور بمسبحته التي لا تهدأ. لم يكن رجلاً غليظاً بالفطرة، بل رأى نفسه "حارساً للعقيدة" في زمنٍ يراه متفلتًا. نظر إلى ابنته إيمان، الملتفّة بخمارها، وقال بصوتٍ يحمل وقار الخوف عليها لا التسلط: "يا بنية، المسافات الآمنة تحفظ...
بين أروقة الذاكرة المنهكة، وفي عتمة صالون لم تزرْه الشمس إلا قليلاً، جلس "يحيى" يرقبُ عقارب الساعة وهي تلتهم ما تبقى من هدوء المساء. لم يكن ينتظر زوجته "سارة" ليتناول معها العشاء، بل كان ينتظر "بقايا إنسانة" يلفظها مبنى الزجاج والرخام في وسط المدينة كل ليلة.
يتذكر يحيى تلك الليلة التي ارتجف فيها...
تحت الأضواء البنفسجية للشارع الرئيس، انعكست أشباح المدينة على زجاج السيارة الفيراري السوداء. داخل المقود المُطَعَّم بجلد الظبي، انقبضت أصابع ياسين وانبسطت بإيقاع عصبي. لم يلمح انعكاس وجهه النحيل على الزجاج الداكن، بل رأى أشباحًا أخرى: شبح الفتى ذي الستة عشر ربيعًا وهو يلف التبغ في أوراق الجرائد...