تماضر الطاهر - مقبولة

" لا يستمتع بمحاكمة الكمال إلا أصحاب النقائص"



كان الجلوس بصالة الانتظار في عيادة طبيبة الأورام مثير للقلق، ومع دخولها برفقة والدتها لتلك الصالة، اصبح الانتظار يستحلف الزمن ليمضي ببطء حتى يلتقط هذا صورتها خلسة، وترسل تلك خبرها حصراً على قروبات الفراغ.
كانت تعلم ان الأخبار في هذا البلد تنتشر بسرعة مذهلة، لكنها اكتسبت من تجربتها قوة جعلتها تضيق بالأسرار الصامتة، فصارت لا تعبا كثيراً إن أصبحت خبراً في هذا الملأ او ذاك.
ليلتان من الهواجس أمضتهما وهي تتطلع لنتيجة الفحص التي صارت تعني لها الحياة او اللا حياة، بعد ان جاءت نتيجة الفحص الاولي كمفاجأة مؤلم ،لم تتمكن من استيعابها حتى هذه اللحظة.
اعتادت في شهر أكتوبر "الوردي" من كل عامٍ، مساعدة صديقة طفولتها، التي تعمل في الخدمة المجتمعية والعمل الطوعي، على الترويج لحملات التوعية المرئية والمسموعة بمخاطر سرطان الثدي.
كان وجودها كوجه جميل في كل الدعايات، يضمن الحصول على رعايات مجزية من قبل الشركات، التي تحجز لنفسها المساحات المميزة بالصحف اليومية،كذلك أفضل الأوقات على خارطة البرامج المرئية، ثم تحرص على رصدها والمحاسبة على دقة بثها بالثانية والدقيقة.
استعانت صديقتها هذا العام بفريق طبي متكامل، وقررت أن تخرج بالفحص الطوعي عن حدود العاصمة، وتسيير عدد من القوافل إلى بعض القرى القريبة التي لم يأتِ ذكرها في تقارير المنظمات الأخرى، وطلبت منها المساعدة لإنجاح الإحتفال الذي يسبق انطلاق القوافل لمناطق التوعية المختارة.
اشتمل الاحتفال على فقرات متنوعة، تحدث فيها الأطباء وخبراء الجودة، وعدد من السيدات المتعافيات من المرض، وأخريات ما زلن في مراحل الاستشفاء.
حملت كلماتهن الأمل والإيجابية لكل الحاضرين، بأسلوب تلقائي بسيط، قابله الحضور بوابل من التصفيق والزغاريد، واشتعل المكان بالحماس وأضاء بنور الإرادة المؤمنة القادرة على قهر المرض واستعادة خلايا الجسد المسلوبة من قبضة المرض اللعين.
سارت فقرات البرنامج نحو خواتيمها، واقترحت صديقتها أن تقوم بعض السيدات الحاضرات، بإجراء الفحص الطوعي، تحفيزاً لغيرهن على القيام به دون خوف، وبدأت بإذاعة بعض الأسماء عبر المايكروفون.
أحست بضيق شديد وهي تراقب نهوض من تستمع إلى اسمها وتقدمها نحو غرفة الكشف بابتسامة وثبات، فتشاغلت بهاتفها وضغطت بلا شعور زر الاتصال بأمها.
قالت الأم وهي تمسك بكفها البارد الذي لا يحمل الهاتف:
(تتصلي وانا معاك؟)
ارتبكت والقت برأسها على كتف أمها وضحكت، ثم حملت الهاتف مرةً أخرى لتتصل بصاحب عربة (الأجرة) الذي تتنقل معه عادة في مشاويرها، وقبل أن يأتيها رده سمعت اسمها بصوت صديقتها وهي تدعوها للتقدم ضمن أخريات للقيام بالكشف الطوعي.
مدت حقيبة يدها لأمها، ونهضت لتلبي ذلك النداء ونداء آخر ليتها لا تستمع إليه، فهي لا تجد له التفسير المناسب في تلك اللحظة.
سارت بنصف قدم ونصف روح نحو غرفة الكشف، وقد كان النصفان الآخران يحثانها على الهرب بعيداً عن هذا المكان. وعن هذا الشعور الغامض الذي تنامى في قلبها بلا مقدمات.
كانت هناك سيدة شابة تنتظر أمام الباب لتدخل قبلها لإجراء الكشف، حيتها وتمنت لها العافية، فشكرتها وقالت: (يا رب).
مضى الوقت بتثاقل مستفز، فلم تجد لاختصاره سوى فتح باب للثرثرة مع تلك السيدة، فابتسمت وعرفتها بنفسها وقالت: أنا (سناء)، فردت عليها السيدة بصوت عميق: وأنا (مقبولة).
وصدق من قال عن الابتسامة انها جواز مرور للقلوب، فسرعان ما انغمستا في حوار حميم وكأنهما صديقات حميمات منذ سنوات.
علمت من (مقبولة) أنها تركت وليدها وغادرت قريتها وحدها، وجاءت للعاصمة خصيصاً لإجراء الكشف، وباختصار شديد فقد تم طردها من قبل زوجها وأهله بعد أن در ثديها الأيمن الدم بدلاً عن الحليب.
انتهت لحظات انتظار (مقبولة) ودخلت بحماس لغرفة الكشف، وعند خروجها طلبت منها (سناء) انتظارها، ودعتها لمرافقهم للمنزل فهي في هذه المدينة بلا أهل وبلا مأوى.
طلبت الطبيبة من (سناء) أن تعود لإجراء الكشف بعد عودتهم من القافلة، لأن الوقت غير مناسب في تلك الفترة لإجراء الفحص، واعطتها بعض الإرشادات المكتوبة، وورقة لاستقبال العيادة تسمح لها بالدخول في التاريخ المحدد.
شكرته (سناء) ، وقبل خروجها ، سألت الطبيبة عن (مقبولة)، فقالت لها إنها تحتاج لجراحة عاجلة، وعليها إخطار أقاربها للبدء في الإجراءات.
نجحت القافلة الطبية في جولتها، وازداد الإقبال على الفحص الطوعي في المراكز الخاصة بالمنظمة، لكن الصديقة كانت حزينة على صديقتها (سناء) ، بعد ان أظهرت نتائج الفحص الأولي ان هناك احتمال قوي لوجود ورم سرطاني، وقد تحتاج لأخذ عينة من الأنسجة لفحصها.
صارت (مقبولة) مثل شقيقة ثانية (لسناء)، بل هي الرفيقة الوحيدة التي تهون عليها مصابها الجلل، وقد رأت فيها من جميل الصفات ما لم تكن تتوقعه.
كانت مرحة محبوبة تقضي ليلها في الصلاة والتسبيح، وفي النهار تصر على مساعدة والدة (سناء) في بعض أشغال المنزل البسيطة.
حكت لها عن قريتها وأهلها الذين فارقتهم وغادرت لقرية أخرى، وعن زوجهاواهله وصعوبة الحياة بينهم وحنينها لطفلها بعد أن منعوها من إرضاعه بسبب (حليب الدم) الذي دره ثديها.
كانت تريد الشفاء بأي وسيلة لتعود إليه،وهذا شرطهم، فهو كل أملها في هذه الحياة بعد أن سمعت من بعض النساء أنها لن تتمكن من الإنجاب ثانية.
هذا حال (مقبولة)، فماذا عن (سناء) الجميلة الشهيرة التي اقترب موعد زفافها من ابن خالتها، الذي لم يعد يسأل عنها بمجرد علمه بنتيجة الفحص الأولي.
ليس وحده، فحتى خالتها لم تعد للتواصل معهم، وقد فهمت والدة (سناء) من آخر اتصال بينهما أن كل شيء في هذه الحياة (قسمة ونصيب).
ارق وبكاء، ثم شحوب وذبول ضاع معهم عملها في مجال الإعلانات واعتذر منها صاحب العمل متحججاً بركود عام يجتاح مجال الإعلانات تبعاً للأزمة الاقتصادية.
انفض عنها الجميع بعد اخذ العينة وقبل ظهور النتيجة النهائية لفحص الأنسجة، فانشغلت عنهم وعن الفحص بمساعدة(مقبولة)، وجمع التبرعات حتى أجرت العملية بسلام وغادرت لقرية والديها.
حزنت (سناء) ووالدتها على فراقها، وتفكرت في معاناتها وقوة إرادتها وحبها للحياة،و رغبتها في الشفاء لتعود لصغيرها.
نظرت (سناء) لحياتها بعد أن انفض الجميع من حولها ولم تعد (مقبولة)، وتيقنت انها كانت مجرد دمية جميلة حُكم عليها بالإبعاد والمرض بعد في طور الظن.
غابت عن صالة الانتظار ومن فيها في شرود عميق، خرجت منه بحقيقة اليمة، إذ لا امل في شيء يصلح انكسار الأنثى بعد فقدها لملامحها الجذابة او مكونات جسدها الجميل.
افاقت من شرودها على صوت والدتها وهي تقول لها: (أنه دورنا).
أعطتها الطبيبة نتيجة الفحص النهائية، وشدت على يدها مهنئة وقالت:(انتِ بأمان).
فشكرتها وغادرت غير آبهة للنتيجة، وبعد خروجها نظرت حولها وتحسرت، ما معنى كل تلك السقوف والبنايات المشيدة، سواء في الأحياء الراقية او في قرية زوج (مقبولة) ، إذا لم يكن للإنسان وجود اسفلها.
  • Like
التفاعلات: تسنيم طه

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى