إبراهيم حالي - الرجل الذي فقد ظله...

خرج من بيت صديقه تلك الليلة، لا لأنه ودّع سهرة أو أنهى زيارة، بل لأنه ببساطة لم يعد يملك مكانًا يعود إليه.
البيت الذي كان يومًا سكناه، تحوّل إلى ذكرى باهتة في دفاتر الإيجارات المتأخرة، رقم مطموس في دفترٍ لا أحد يفتحه.

كان الليل ثقيلًا، لا من شدة البرد فقط، بل من الصقيع الذي بدا وكأنه يحمل نية مبيّتة للانتقام.
الريح تصفعه بحدة، كما لو أنها تحتج على وجوده الأعزل، عارٍ من كل شيء: من الدفء، من الأمل، من وجهة واضحة.

الشارع فارغ،
صمت ثقيل لا يقطعه سوى صفير الريح وهي تتسلل بخفة لاذعة إلى أذنيه،
تدندن له مرثية النهايات التي لا تُقال.

خطاه بطيئة،
كأن الأرصفة تزن حزنه،
كأن كل خطوة تُعيد سرد خيبته، وتُشهّر به أمام ظله المبتل.

لم يكن يقصد مكانًا،
ولا كان يهرب من أحد،
لكنه ببساطة لا يريد العودة.
لا رغبة له في اصطناع البهجة أمام أطفال صديقه،
ولا قدرة له على تمثيل النكات حين تنهار جدرانه من الداخل.

عند الزاوية، لمعت أضواء باهتة لحانة صغيرة،
كأنها الوحيدة التي لا تزال تتذكّر العابرين في هذا الليل.

اشترى قنّينتين من البيرة الرخيصة،
لم يقرأ الاسم، لم يهتم بالتاريخ.
الرخص هو الشيء الوحيد الذي ما زال يملك القدرة على تمييزه.
ورغبة عابرة في شيء يُشبه النسيان… أو يشوّه الوعي بما يكفي.

في الحديقة العامة،
حيث اعتادت الأرواح الضائعة أن تتقاطع دون أن تتلامس،
وجد المقاعد المعدنية فارغة باردة، صامتة،
والتماثيل الحجرية تواصل صمتها الأبدي دون احتجاج.

جلس.
فتح القنينة بأصابع مرتجفة.
رشفة أولى.
الطَعم مُرّ، قاسٍ، كأنها تواطأت مع العالم ضده.
لكنّه شرب.
لم يكن يبحث عن لذّة،
بل عن شيء يُشبِه هذا الطعم المُحترق داخله.

أسند ظهره،
رفع رأسه نحو سماء بلا نجوم.
تذكّر أوّل يوم وطئت قدماه هذه البلاد،
كان يحمل حقيبة صغيرة وحقلاً من الأحلام.
كان يؤمن أن الاجتهاد يُكافأ،
وأن الحلم شجاعة.
لكنه لم يكن يعلم أن الأرض التي لا تتسع للحالمين،
تجعل أحلامهم تنكمش…
حتى تصير كوابيس.

رنّ هاتفه.
رسالة من رقم يعرفه جيّدًا:

“بابا… زِد المصاريف. نحن قررنا نرجع.”

قرأها مرّتين.
كأن الكلمات لا تنتمي إلى اللغة التي يعرفها.
كتب بسرعة، بشيء من الرعب:

“ترجعوا وين؟ الحرب لسه مشتعلة!”

الردّ أتى كضربة باردة في الخاصرة:

“نرجع محل ما جينا. كفاية.”

شعر بأن ما تبقّى من ماله، من تعبه، من كل تبريراته… يتسرّب فجأة من بين أصابعه.
وكأن الغلق يعاد عليه من جديد، هذه المرة من داخل بيته، لا من غربته.

سقطت القنينة.
ارتطم الزجاج بالأرض، وارتطم قلبه معه.
ظل يحدّق في الشاشة،
كأنها لم تعد تنزف سوى الهزيمة المرة.

أغلق الهاتف.
أرخى جسده إلى الخلف.
ورمى رأسه كمن يُسلم نفسه للهزيمة الأخيرة.

في تلك اللحظة، عرف.
هو لم يخسر الليلة،
ولا البارحة…
هو خسر منذ قرر أن ينجو بالابتعاد.

ظنّ الرحيل بداية،
فإذا به بداية النهاية.
نهاية طويلة لا تعلن نفسها،
تمتدّ بهدوء،
مثل مرض خفي لا يظهر في التحاليل،
لكنه ينهش ببطء.

كان يظن أنه يتقدّم،
بينما كان يهبط،
بهدوءٍ مطمئن… نحو القاع.

تساءل في داخله:
هل كانت حياته كلها وهماً؟
هل خدع نفسه أم خُدع؟
لكنه لم يبحث عن جواب.
لم يعد يهم.

كل ما يعرفه الآن:
رجلٌ يقف عارياً تماماً في صقيع العالم الأول،
لا دفء إنجاز يستره،
ولا حضن عائلة يرمّمه،
ولا حتى سُكر رخيص يُخدّر هذا العواء في صدره.

الحديقة تدور من حوله،
الليل يتثاءب ببطء،
والبرد يغرز أنيابه في لحم ذاكرته.

أشعل سيجارة.
أخذ نفسًا عميقًا،
وقال لنفسه، كما لو كان يحدّث غريبًا بداخله:

“أحنّ حتى للخذلان… لو كان يحمل وجهًا أعرفه.”

ثم نهض،
و بخطي مثقلة جرّ خطواته المتجمّدة،
واختفى في عتمة المدينة التي لا تعرفه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى