مصطفى نصر - كوب شاي فارغ...

حمل كوب شايه وخرج من حجرته، سار خطوات قليلة وصل إلى درجات المسجد العريضة التى يجلس عليها بعض شباب الحارة، حياهم، ثم جلس على حافة درجة من درجات المسجد. رشف الشاى الساخن.
مازال أبناؤه فى الحجرة، لم ينتهوا بعد من تناول طعامهم. يصحو هو مبكرا كل يوم، يشعل الوابور وأولاده نيام، يضع الماء فوق النار، يدفئه لهم، يوقظهم بعد ذلك من نومهم، يغسل وجوههم وأرجلهم، ثم يعد الإفطار لهم. يذهب ولده – الأكبر – معتز – معه، يوصله إلى عمله، يعمل الولد فى ورشة حدادة، ويبقى الثلاثة الآخرون فى الحجرة.
منذ أن ماتت أمهم وهو على هذه الحالة، ينتظرونه على الغداء، يشعل الوابور لهم، يطعمهم، لا يتناول معتز الغداء معهم، يتناوله فى الورشة التى يعمل بها، لا يعود إلا مساء.
يشكوا الجيران من شقاوة أولاده. فقد دللتهم أمهم، يحطمون كل شيء فى الحجرة، كل يوم يعيد ترتيب السرير وأحيانا يجده واقعا، فيعيد إقامته ثانية.
الشباب حوله، يضحكون ويثرثون وهو لا يسمع ما يقولون، الشاى يتناقص فى كوبه، أخته تبحث له عن زوجة جديدة، لكن لا ترضى واحدة به. يقولون: أولاده أشقياء، ولا تقوى إمرأة على إحتمالهم.
سيدخل هو حجرته ثانية بعد أن ينتهى من شرب شاىه؛ ليحمل الأطباق عن المائدة، يضعها فى الحوض، يقف وسط نساء البيت، فدورة المياه مشتركة بينه وبين سكان آخرين، يشغل كل منهم حجرة واحدة. يغسل الأطباق، يتذكر – وقتها – زوجته التى كانت تقف أمام هذا الحوض. ترفع ذراعها الممتلئة العارية وتتحدث وتضحك بصوت مرتفع. كان يسمع صوت ضحكتها من داخل حجرته، فيعنفها قائلا: يا إمرأة، فى الحجرات الأخرى رجال كثيرون، يسمعون ضحكتك العالية.
تقول: لا تهتم، فأنا لا يملأ عينى سواك.
كانت زوجته أجمل إمرأة فى البيت كله، وجهها أحمر، وجسدها ممتلئ بغير ترهل. حبلت بطفلها الخامس. ذهبت إلى المستشفى بعد أن تعبت وخابت الداية فى أن تولدها، ولم تعد.
.....
بعد أن إنتهى من شرب شاىه؛ وضع الكوب فوق درجة المسجد الخالية بجواره. خرج طفل من أطفاله يجرى ممسكا بقطعة خشب، وطفل آخر – من أطفال الجيران – يجرى خلفه وهو يبكى. صرخ فى ولده: أعطه خشبته يا ولد.
لم يسمع الولد، كان قد وصل إلى نهاية الحارة، والطفل الآخر مازال يجرى خلفه باكيا.
شد هو نفساً من سيجارته، سمع صوت شجار فى البيت المواجه للمسجد. تخرج نوسة من باب البيت تسب بصوت مرتفع.
نوسة جميلة، وجهها قريب الشبه من وجه إمرأته التى ماتت. زوجها مسعد خرج خلفها، قال أحد الجالسين ساخرا: زوج نوسة يشبه السيجارة الونجز.
فقد كان طويلا ونحيفا، وقميصه البنى يغطى جزءًا قليلا من جسده، كما يفعل الفلتر مع السيجارة الونجز.
إمرأة أخرى بدينة خرجت خلف نوسة وهى تصرخ وتلوح بيديها. ويشد مسعد إمرأته، والمرأة تقاوم، ثم تذهب إلى المرأة البدينة.
إمتلأت الحارة بالنسوة والأطفال. ومسعد لا يستطيع أن يدخل نوسة – إمرأته - فهو ضعيف، يتردد كثيرا على مصحة الصدر بكوم الشقافة ونوسة جسدها قوى ولا تكف عن الإستحمام، فيزداد وجهها إحمرار يوما عن يوم.
مسعد الضعيف له نوسة؛ وهو لا إمرأة له!
نظر فى ساعته، عليه الآن أن يسرع إلى حجرته، لن يغسل الأطباق ككل يوم، سيحمل جاكتته البيضاء ويسرع إلى البار الذى يعمل به، يحمل الصينية، ويضع الكئوس فوقها، ويدور وسط الموائد، يلتصق جسده بأجساد العاملات فى البار، يضحكن له، تفوح من أفواهن رائحة الخمر. الزبائن يجرعون الكئوس، ويطوقون أجساد النساء هناك. هو لا يستطيع مقاومة ذلك، ولكن لقمة العيش مرة. يتقيأ الزبائن من أثر السكر، يسرع إلى صفيحة نشارة الخشب، يرش الأرض بالنشارة ويكنسها بمكنسة.
البار رخيص، وزبائنه فقراء، وعاملاته دميمات، أجسادهن مترهلة، ووجوههن مجعدة.
.....
تحرك نوسة يدها بحركة بذيئة، ومسعد زوجها قد واتته حالة سعال مفاجئة؛ فأسرع إلى الجدار ليسعل بعيدا عنهن.
قال الشاب الذى بجانبه ساخرا: إلحقوا يا عالم، نوسة ستفترس المرأة.
قال آخر: ليتها تفعل، على الأقل سنرى جسديهما عندما يتعريان.
لا يشترك هو فى الحديث. يتابع جسد نوسة. زوجته كانت تقول: نوسة مشيها بطال.
لم يكن – وقتها – يهتم بهذه الأشياء، لكنه الآن مطارد بأطفاله الأربعة الذين لا يكفون عن الشجار مع بعضهم البعض، أو مع الأطفال الآخرين، ونساء البارات الدميمات، والنساء اللائى يرفضن الزواج منه لأن أطفاله أشقياء.
لا تهتم نوسة بأحد، وزوجها أعلن عن إستسلامه فقبع بجوار الحائط، أخرج علبة دخانه الصدئة وأخذ يلف سيجارة.
لعل المرأتين تتشاجران من أجل الأطفال، أو لأن واحدة نشرت غسيلها قبل الأخرى. ذلك ليس مهما، المهم أن يستغل هو الفرصة ليمسك جسد نوسة، يشعرها بوجوده. آه لو يموت زوجها مسعد؛ وترضى هي أن تتزوجه. ليس مهما الآن، المهم أن تحس به. سيتأخر عن العمل، سيصرخ الخواجه – صاحب البار – فيه، سيضطر الخواجة أن يحمل الكئوس بنفسه ويذهب بها إلى زبائنه.
حمل هو كوب شايه الفارغ وسار خطوات ناحية بيته. كان مترددا، ثم أسرع ثانية إلى مكان الشجار. لم ينظر ناحية درجات المسجد، فهو يعلم أنهم يتحدثون عنه ويسخرون من تصرفاته. قال بصوت مرتفع: عيب يا جماعة، لماذا تتشاجران؟
نظر إلى نوسة التى لم تكف عن الصراخ والوعيد للمرأة الأخرى. إنه لا يفهم ما يقال، ولا يعرف سبب شجارهما. كل النساء يتحدثن. مد يده وامسك ذراع نوسة العارى، شدها قائلا: ليس هكذا يا نوسة، الناس لبعضها.
نظرت نوسة إليه قائلة: أسكت، إنها إمرأة لا تستحق سوى هذا.
شدت ذراعها من يده، سار إليها ثانية، قال: إلى أين تذهبين؟!
وقفت أمامه. المرأة البدينة إقتربت هى الأخرى منه. قائلة: سأحك لك عما حدث، وأحكم أنت.
لو كانت إمرأته موجودة لأقسمت بأن تترك حجرته وتذهب إلى بيت أمها، لأنه أهانها بفعلته هذه.
لم يسمع للمرأة البدينة، أعطاها ظهره، فهى لا تهمه فى شيء، وضع ذراعه حول رقبة نوسة قائلا: تعالى، إحكى لى أنت عما حدث.
وقف مسعد فزعا، أغلق علبة دخانه في عنف وأسرع إليه قائلا: ماذا تفعل وسط النساء؟!
ترك رقبة نوسة ونظر إلى الرجل قائلا: إننى أصالحهما.
قال مسعد – زوج نوسة -: لا، تفضل، لا نريد مصالحتك.
لم يهتم به أحد. عادت المرأتان إلى الشجار، وعاد هو خائبا إلى درجات المسجد، وكوب الشاى الفارغ مازال فى يده. كانوا يتحدثون وهو فى طريقه إليهم. عندما وصل إليهم كفوا عن الحديث.
  • Like
التفاعلات: محمد علاء الدين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى