ظافر الجبيري - تأنيث

فوجئ أبو عبدالعزيز بدخول حسناءَ إلى المحل ، في صباح هادئ، وفي ثوانٍ كانت تقف بكامل أنوثتها أمامه وجهًا لوجه ،اكتسح جمالُها كلّ شيء : الأضواءَ، الأطقمَ ذات العلامات التجارية؛ أدواتُ التجميل انحنت لجسم فارع ، ووجه ملأ المكان بهجة آسِرة، تنسى معه العيون حاسة الوقت!

انفرط عِقْـدُ مجموعاتِ العرض، وتساقطت فُرَشُ المكياج من فوق الرفوف، الرموشُ الصناعية تساقطتْ أرضًا، تكنس وتمسح طريقَ الفاتنة ذات القلم والأوراق. نظر البائع، وهو صاحب المحل، مذهولًا ،أفاق من سكْرته، وإن ألقتِ السلام ، فلم يسْلمْ من سحرها الذي راح يدكّ حصونه ويقتلع أركانه، ماذا يفعل، وقد أسكرتْ المحلَّ بعطر حضورها الصارخ ؟ وبأجنحةٍ من بهجة ،حلّقت بعضُ محتويات البوتيك حولها تطلبُ ودّها، وتخشى ألّا تجد طلبها .

المحلُّ بديكوراته الحديثة شَعَر أنه قديم أمام أناقتها الكاسحة، ارتبك الرجل، غضُّ البصرِ سيُربكُ ما تبقّى له من حواسّ، والقلبُ يكاد يطير، ويرحّب بها بطريقة لم يألفْها من قبلُ نبضٌ بشريّ أو لسانٌ ناطق!

وجد نفسَه وكلماته بلا سيطرة، يقول: تفضّلي، كيف أقْدر أخدم جمالك ، أقصد كيف أخدمك !؟

نظرتْ في المحتويات النسائية ،ثم قالت:

- عندك فكرة عن التعميم رقم ٢٣٨/99 وتاريخ 1436هـ الخاص بأنظمة العمل ؟

-عندي فكرة -الله يحفظك - لكن أنتِ (اللي )ما عندك أية فكرة عن حال السوق، ثمّ إني لم أجد، قبل اليوم، مَن تستحقُّ دخولَ المحل، فكيف بمن تعملُ فيه!؟هذا طبعًا قبل زيارتِك التاريخية، أقصد هذه الزيارة التطويرية المفيدة لخدماتنا!

وفي غير وقتها، وعبْر باب المحل ، دخلت زبونة بلا وجهٍ ولا ترحيب بها ،لتسأل :

- عندك ..؟قاطعها:

-لا، ما فيه، تجدينه عند المحل العاشر على اليسار، وأسعارهم أحسن من أسعارنا !!

لم يصرفْ نظرَه عن الصاروخ الموجّه إليه بدقة تفوق القرارَ رقم وتاريخ.

-عمومًا عليك مخالفة عدم توظيف...

-حاضر .. كم ؟

-واحدة .

طيب ..تَراكِ واسطة خير! أيّ واحدة من طرفكم وظيفتها جاهزة من بكرة تداوم ..ولو أني سأخسر!

- توطين وتأنيث هذه النوع من الوظائف يا سيّد ليس خسارة! ستأتيك الزبائنُ من النساء أكثر بدلا من نظرات الرجال الطويلة !

-أقصد خسارةَ زيارتكِ يا.. الله يسلمك ! وكاد أن يقول" أستاذة الجمال" حاول أن يكتفي فلم يملكْ كلماته، وأتبع :

- آمِري أمْر!

-لو زرتُ المحل مرة أخرى، والحال كما هو، ستسجّل عليك الغرامة المالية، مع إغلاق المحلّ لمدّة شهر حسب النظام .

- زيارتُك مكسبي الكبير هذا اليوم، بل هذا الشهر .. فأين الغرامة في طلّتك طال عمرك ؟!

تردّدتْ قليلًا مع وقع الغزل الواضح والسابح به أو بها، ثم عادت لتختم حديثَها، وهي تكتب في أوراقها الرسمية وتضع علامة صح على( إنذار نهائي):

-المهم ..

-المهم لا تقاطعينا !

- لا تقاطعني...لازم تطبّق القرار ..

سمعَ، ولم يسمع غير اضطراب فؤادِه تحتَ ضرباتِ الجمالِ الصاعقة:

الشَّعرُ كستنائيًّا يتمرّد خارجَ الطَّرْحة ، والوجهُ يتفوّق على كلِّ موديلات الشركات وملصقات الماركات التي تملأ الجدران، احتار، وهو الجادّ في تعامله، هل كان إلى التحرُّش أقرب!؟ أم إلى الشروع في رشوة سببُها الضعف أمام حسناءَ امتلكت قوى التأثير على القلب والجيب!

ظلّتْ مشاعرُه تتسابقُ تحتَ تأثير جَمالٍ لم تُفلح التعليمات في كبْح جماحِه، وازداد حضورُها واستمتاعُه بكلماتها حرفًا حرفًا، حتّى وهي تهدّد بعذوبةُ، وتهمسُ له عن مخالفات وغرامات قادمة!! وظنّ الرجل أنه سيقع في الحُبّ لا محالة، لكنّه احتار أيّهما أقوى: الحُبّ أم العذاب؟ أم إنّ السرَّ الأعمقَ يكمنُ في تأمّل هذا الجَمال مجرّدًا منهما!؟ ،ولكن ألنْ يتعذّب أيضًا عندما تذهبُ هذه الفاتنة! ولكنّه، استرسل خارجًا من حيرة إلى أخرى " المحلُّ يحتاج، من وقت لآخر، لهذه الأنوثة أكثر من التأنيث الذي سيجبروننا عليه!

وعندما نزعتْ آخرَ سهامِها من قلبه، غادرتْه، وهو يحرّك كفّيه بحسرة، أمسكَ حافّة (الفتَرينة) ليتأكّد أنه في مكان العمل المعتاد، وبدأ يُعيد قلبَه إلى (كراسيه) المتطايرة على وقع ضربات كعبها العالي، وهي تخرج؛ سمع شيئًا من التعليمات الصارمة، لكنّها انسابتْ من شفاهٍ مكتنزةٍ بحنان لا يصل، وقسوة تغري سربًا من النحل! ،لم يملكْ كيانَه من البوح، فراح يهتف مودِّعًا بحسرة وصمت :

أيّ نسيم حملكِ أيّتها الفاتنة، وأيُّ زلزال اكْتسحَ عالم الجَمال، وأعاد تأسيسه من جديد!؟ ردّد بسخرية :موظفة تحاسب على عدم توظيف موظفة!!

ثم تساءل: هل تأنيث دكانه بفتاة أسهل؟ أم هذا الذي جرى في لحظة تهاوت معها خشونةُ العمر كلّه؟!

وفي هدوء لم يَعرف نوعه، التفتَ أبو عبدالعزيز إلى الأشياء على الأرض، وطفِقَ يجمعها بعد الهزّة التي ضربت القلبَ والمكان بقوة عشرة ريختر، واستدار يبحث عن الكرسي ليجلس، لكنه ظلّ سابحًا بلا قرار.



6 /2016م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى