حسام المقدم - العِجل...

عشر سنوات في الدنيا كانت تكفيني لأنتبه إلى العجل الموجود في زريبتنا. رأسه مهندم، عيناه مُدورتان لا تتحولان عن وجهي بنظرة شبه آدمية. عرفت أنه الشاب المسحور الذي قرأتُ حكايته في "ألف ليلة وليلة"، مسَخَته زوجة أبيه الحاقدة.
أقتربُ منه فيطأطئ رأسه ويُمرّغها في حِجري. أسمع صوت عويل مخنوق، بعدها يُخرج لسانه الوردي ويلحس كفّي. أمسح ما بين عينيه، أكلمه: "هل تتذكر أمك؟ زوجة أبيك مسَخَتها هي الأخرى بقرة، أبوك يكاد يموت لفقدك."
أبقى أمامه أُبادله نظرات أُفسرها عشرين تفسيرا. آه لو ينطق ويفتح قلبه، في النهاية يزهق مني ويُحوّل وجهه ناحية البقرة المربوطة إلى جواره. أحملُ إليه البرسيم المُندّى، يمد بوزه يتشمم، يبدأ في المضغ على مهل، ترتفع عيناه الصافيتان نحوي في نظرة أسيانة.
حين يطلب مني أبي أن "أَعلف البهائم" أقوم على الفور، بينما أتلكأ في طلبات أخرى لشُغل الغيط: تَنقية عَفش أو مَلْخ أو شَتل. أفرح لأنني سأكون معك، في زريبة عابقة بخليط دافئ من أنفاسكم الحميمة، المخلوطة بروائح الجِلّة والطين. أتتبّعُ حركاتك ونقلاتك المحدودة، أرى السوائل المُرطبة لأنفك. أنا ومعظم أصحابي نحب البقر، ملامحه حلوة وعِشَريَّة، في مقابل بَلادة وغِلظة الجاموس. أترك البهائم كلها وأُكلمك، عن صباح شتوي نُصاحب فيه الشياطين، عن مخاوفي لحظة الصحو عندما تهزني أمي، تشدني من الدفء، قبلها أستيقظ مرتين أو ثلاث لأرى هل طلع النهار أم لا، أدعو الله أن يُؤخره أو أن تمطر الدنيا. تتحقق أمنيتي الثانية، أصحو لأجد الشوارع غرقانة. في طريقي للمدرسة ألتزم المدقّات جنب الجدران وعلى أطراف السّكَك الزراعية، لم أُجرب المشي في منتصف الطريق، إلى أن أخبرني ولد زميلي أن أبيه يقول: المدقّات لبني آدم ولبخَة الطين للشياطين! دُسنا على مخاوفنا ومشينا في الوسط، جرّبنا أن نقطع السكّة على شياطين لا نراها، ربما تتضايق منا وتنتقم. لم يحدث شيء، والشياطين تقبّلت ما نفعل دون اهتمام، تركتنا نمشي كما نحب، الشياطين أشكال وأصناف، تمنيتُ أن يظهر منهم واحد لأُقنعه بأن يساعدك، مثلما فعلت ابنة الراعي في "ألف ليلة.."، تلك الساحرة الطيبة التي أعادتكَ إلى صورتكَ البشرية ثم تزوجتكَ.
**
سأنطق وأفتح قلبي كما تتمنى أيها الولد، أنا ببساطة: "عجل، عجل حقيقي". نظراتك الحانية تكاد تسيل على ملامحي، بإشفاق يفترض أنني مسحور. أنتَ وغيرك من الآدميين تفكرون أن العقاب الرهيب أن يتم مسخكم إلى قرود وعجول وبغال، لا تزالون تهيمون بقصص السحر والعفاريت منذ قرون. لم يفكر واحد منكم في سِحر عكسي: أن يُمسَخ طائر أو حيوان إلى إنسان. نحن أُمَم أمثالكم، فينا الشر والخير، منا مَن غضبَ عليه غُراب ساحر أو بومة شيطانة فحوّلته إنسانا. لا تظن أنني سأكون سعيدا لو حدث لي ذلك، سألعن يومي الأسود الذي أصبحت فيه واقفا على قدمين، يدور لساني بلا كلل، ليُخرج كل خواطر الخُبث والمكيدة. سأتمنى حينها لو حوَّلَني الطائر الساحر إلى بشري أخرس حتى أتجنب التجربة غير المحتمَلة. أنت تعرف أن لنا أصواتنا، روائحنا، إشاراتنا التي بها نتواصل..
ألم تُحس بذلك وأنتَ تنظر لي وتتكلم معي؟
**
حمَلتني الشهور على جناحها، سلَّمَتني إلى الحادية عشرة، ولم أزل أفكر: ماذا أفعل لأنقذه؟ أخذتُ بالي أن شكله بدأ يتغير، عيونه اتسعت وجسمه صار مدكوكا، في عينيه تجسّدَ الأسى المكظوم. أصبحتُ منشغلا به، أسرح أثناء حصص المدرسة، أتوه في خواطر متضاربة، كأن يأتي شخص ما ويفكّ سحره ليعود شابا كما كان، ساعتها لن أعرف هل أفرح أم أحزن، لكن بالتأكيد ستلمع عيناي بدموع افتقاده، غياب الوَنسة التي جمعتني به، في وقفتي أمامه، عيناي في عينيه، حرصي أن أقول كل شيء، حتى إحساسي بأنني مسحور مثله، في داخلي كائنات ليس بينها شَبه: فهد وعصفور ونملة.. نملة تاهت عن قافلتها الصغيرة الماشية على الجدار، ودخَلَت بيتا آخر أو مدرسة أخرى، فوجَدَت الناس ينظرون إليها باستغراب قبل أن يطردوها. توقعتُ أن يسألني: وأي هذه الكائنات تتمنى أن تكون؟ أقول له إن خيالي أسكنني أجسادا كثيرة، آخرها قُنفذ، أحببتُ معه تجربة أن أبقي ملموما ككُرة شوك، مُرسِلا إِبَري الحادة في وجه أي عابر. رأيت نفسي في عيون الناس، لم يتوقفوا كثيرا أمام قُنفذ مُستثار يحمي نفسه، لم أنشغل بكوني مسحورا أم لا، عشتُ "القَنفَذة" كما تكون، نمتُ ضاما جسدي أكثر من جَنين، تكوّرتُ على الأرض في لحظات تطَلَّبت وقوفا صلبا أمام عِيال أوغاد.
مَن منّا المسحور يا عجلي الحبيب؟
هل حقا تريد أن أنقذك؟
**
أنتَ ولد طيب،
وحزين حُزن العجول الرضيعة حين يأخذونها من أمهاتها.
**
أُصدق الآن أن ابن عشر سنوات شافَ وعبرَ إلى بعيد، بينما ابن الحادية عشرة وقفَ مكانه وانشرخَ قلبه.
فراغ كبير، عميت عيناي عن رؤية البهائم المرصوصة. غياب كائن واحد حول الزّريبة إلى جُرن بلا أنفاس أو روائح. راحَ عِجلي، اشتراه عمي، قال أبي بسعادة: "عقبالك، فَرَح ابنه!"
زحمة وزغاريد، وعلى الأرض أجلس بجوار أبي، أمامنا بساط طويل عامر بأطباق الأرز والمحاشي واللحم المحمّر والمشوي، في الخلف تصطف صحون الحلويات في انتظار دورها. أنظر حولي، الأيادي الكثيرة تلهف قطع اللحم الكبيرة وتحشرها في الأفواه. وضعتُ يدي على بطني، وبصعوبة بلعتُ ريقي الثائر. لم أقدر على طرد تَصوُّر أنهم يأكلون لحم عِيال صغار، "لبَّاني" كما قال أحدهم عن العجل المذبوح.
نزعتُ نفسي وهربتُ.
ظللتُ أمشي حتى انتهت البيوت، وبدأت عتمة الغيطان.
***
حسام المقدم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى