عندما نذهب إلى أن النص الشعري ليس بالضرورة هو يعبر عن وجدان الشاعر بل قد يتعالى عليه أحيانا حتى لكأن النص إياه أبدعه شخص آخر غير صاحبه فإن هذا ليس معناه ينبغي أن تقتصر القراءة على الكون الشعري داخل القصيدة فقط وتتجنب كل ما يبدو أن يمس حياة الشاعر الشخصية ويلامسها من قريب أو من بعيد وحسب درجتي...
بداية نقول بأن أي قراءة لنص ما لا تتمكن من الحصول على فاعليتها إلا بتفاعل القارئ، فالتفاعل الذي يكون من هذا الأخير حيال النص هو الأساس الذي يبنى عليه وجود النص إياه ويبين مدى تحققه، فعملية القراءة إذن حاسمة في إعادة خلق النص وجعله يتمتع بحياة ملموسة، وإذا لم يتوفر القارئ على قراءة فاعلة...
كم من مرة حدثتني نفسي بالكتابة في هذا الموضوع, ودائما ما كنت ـ لسبب ما ـ أرجئ ذلك إلى وقت آخر قادم.
يرى البعض بأن الشعر لا بد أن يكون له معنى، وأن الشاعر لا يكتب القصيدة إلا لغرض من الأغراض ،وهذا الأمر في نظري معقول إلى حد كبير، لكن المشكل كما يبدو لي ليس ها هنا، وإنما في إمكانية البحث عن هذا...
ذاك هو البحر المحفوف على أبسط تقديرٍ
بمراياه الكثةِ
يترجاني أن أحمل رايته الوُثقى
وكثيرا ما يسهرُ
أصبح يختار لمعصمه أسورة من ملحٍ
بل زادَ فأمسى يرقد منحازا للمدّ على مرأى
من نجمته الموثوقة في
طعم غوايتها
أسدلتُ عليَّ تضاريس الطين
ملأت بعشقي خفقتهُ
فانزاح قليلا وتمثل لي
كالأسطورةِ تخرج من رحم...
لغتي أتفقدها بين العشب
وبين الطرقاتِ
إذا ما أفزع للماء
أمدُّ إليها منه بياضا
يشبه الشغَف القدسيَّ
أشيّد فيها مدنا ملأى بالكمّثرى
والطير بها صافّات
يرقصن الدبْكة
ويؤدين على الملإِ طقوس الخصب
يقاربن خطاهن لدى النبعِ
هناك يبابٌ فوق محيا الوقتِ
أعاين في جهتيه طيور الحدَإِ
فأعرف ماهية الضبحِ...
رتبت مواعيدي فوق الدولابِ
تمشّى الدفء بأوردتي
وحدي من أنشأ في رغبته منزلةً
لكسور العتْمة
وتأثل في كفيه اسم النهر الضارب
في الجري
ففي أحد الايام حلمت كأني
أختصر الدرب إلى الماء
وأمشي هرولةً كي أتخلص من لهبٍ
سمّى في الصدر إقامته
ثم انساب ينام على راحته
كانت معجزتي اندلقت في الأرض
بحيث اخضرّت في...
شجر أغفى قرب التلةِ
نبهتٌ إليه الماء
وأرشدتُ إليه فوجا من ريح شاردة
حتى هبّ
وأمطر حاشية من ناياتٍ ومواويلَ
أنا أبدا لم أنكرْ
حيث فتحت له نافذة
يستشرف منها الغيبَ
يبادل جسد الأرض هواء متسعا
كفؤاد امرأة دأبت توقظ
في دملجها الشرفات الغنَّاءَ
تبوح لجارتها بخفايا طالعها الأول
منذ أحلت على ظلي هسهسة...
1
يعبر النهر غيم رديف
يدي قد تمازجه
وأرى الماء لي
ثم أسند للطرقات
خطى تتبلل بالانحناء
وتأكل جمرتها
إذ تمر النساء بها
في ثياب الحداد.
2
أناشدك الله
أن تحتفي بغيابك
حتى ولو تم ذاك
بشبه احتفاء
وتختن حلمك بالاشتهاءات
حتى ولوتم ذاك
بفضل رعاية شيخ الشيوخ المسمى
بسيدهم ميكيافيللي.
3
تلوّت على بعضها...
أيها السيد المنتقي صمته
لك آن ولوج الظلال
كما لك آن احتساء النبيذ المقدسِ
أو تطأ الأرض منشغلا بالرغيف
إلى فيك تلقيهِ
تدني إليك غديرا تراه
يؤكد فطرتهُ وهْوَ يحمل
إصْرَ السنين
إلى سالف العهد من ضفتيهِ،
قراك التي طعنت في النموّ
هي الأن تكسر طوق الغيابِ
وتنضج جاهدةً خبزها على
حجر واضحٍ
تتنسك حين...
ما يتبقى من ظمإ نتوارثه تكتبه الريح
عن البحر
وتكتب أيضا تاريخ الأشياء المجبولة
عن حب الليل على معصمها
لم تفتأ تتناذر دمها الطرقاتُ
تلابس بلدا ببلد
حتى انطفأت في رئة الطين الٱيات
وحتى اصفرّ خديج الماء علانيةً
ألتمس زهو العتبات بلا كلل
ثم إليها أزجي حمر النعَم
وأوقن أني منها الأقربُ
سوف أوَطّن...
من رأس الغيمة أشرفت
على الكون
أمام مراياه استيقظ ظلي
والحجر السيد
لم أدخر الجهد إلى أن أمسكت
بسلسلة الطير
على حين ارتفق النهر مباهج
ضبحت مسفرة عن حجل
في عينيه تنمو الأقمار
ويبلغ سن الرشد ثلاثة أضعاف
أثناءتغيم عواطفه
أو يلتبس النوء به مدة قهقهة
ثم يفيض إلى مدح التاريخ السفلي
لمدائن كانت آهلة...
جئت إلى القومِ
وكانت معجزتي أن أسمع قلب الماء
يزمجرُ
أو يزجي الدفء إلى الضفةِ
أن أدع الريح تهب عليّ بقافلةٍ
من ضحكٍ ضافٍ
وأنا متكئٌ نِصبَ المدفأةِ،
لقد حققت الغاية من أرقي
فجمعت صعاليك الأرضِ
وسميت الله لدى شن الغارةِ
حين بدت لي جاهزةً،
لحقول النارنْج سلامي
كنت أمرّ عليها لما أتوَلّهُ
فأصاب...
أنا ذاك الباحث عن نجمته
في جبة مقبرةٍ
تأخذني الآفاق إلى رئة الأرض
وآونةً
تحت عيون النهر الضارب في السمنة
أبني بيتا يجدر بي أن ألقي فيه
عصا الترحال
سأنوي فيما بعد مكاشفة الشجر الموضون
على خاصرة الحقل
بفاتحة الوقت
لأني أعشق أن أتكلم وفي كفي
باقة وردٍ
ورهن يدي تاريخ الزمن الموثوق
بطيبته الحادّةِ...
أشعلتُ بنافذة المنزل نرجسةً
فانطلقت تحيا
والشمس تحيط بها مثل فلاة
تنعم بغزال منفردٍ
قولي لي سيدتي
ما أدراك بأني أدمنت مشاهدة الغيم
يجرّ قوافلَ من ماءٍ؟
بل قولي لي
من أضرم في عينيك العشقَ
إلى أن شهق الظلُّ وصارَ
يراجع رتْلَ مواسمهِ؟
أتذكر أني لما زرت الجبل العالي
كان يرافقني الليل
فأوقدت النار...
قد نميل إلى النهر في لحظاتٍ
ونأتي إلى عرسه خبَبا
من بداهتنا ننظر الماء
في حينَ لا نصطفي منه
غيرَ دوائرَ
فيها بياضٌ على ظهره
من حمولةِ قيظ المسافاتِ
مقدار ظلٍّ يفي بالغرَضْ...
حجر الله ذو الخاطر الرحبِ
لف على يده نخلةً
ثم قال لها:
"لو نوى الرمل أكلكِ
أو حاك لليل مقبرةً
ارتقِ الهاجس المستقلَّ...