إن الحديث عن القافية في الشعر أو القصيدة بالأحرى هو حديث عن ركن من أركان الشعر و يعد أساسيا فيه،فليس من باب الصدفة أن يعرّف القدامى الشعر قائلين بأنه "هو الكلام الموزون المقفى..."لو لم تكن القافية تلعب فيه دورا محوريا لا يقل في الأهمية عن أدوار الأركان الأخرى فيه كالوزن و الخيال والعاطفة...
أيها البجَع الغجري المُحلّى
بدفء رشاقته
هات لي من عيونك ملْحا
ومروحةً للطفولة
هيئ على مدخل الوقت لي
ثبَجا واسعا
كي أكون غفير المدارات
ثمَّ أحمحم مثل صباحٍ زها
عند أقدام مقبرة بربريةْ،
لدى منْحنى الدرب
بين صنوبرة تتلألأ
والحجر المرتمي في خضمّ هلاوسه
كنت أنفخ ناي المسافاتِ
أنظر صوب الفجاج...
عندما كنت طالبا يافعا كنت مولعا إلى حد كبير بحقلين من حقول المعرفة أخذا بجماع لبي فكان شغفي بهما عظيما ،الحقل الأول هو الرياضيات (الجبر بخاصة) ومعه الهندسة ومبادئ حساب المثلثات من جهة ،والحقل الثاني هو علم العروض من جهة ثانية،وكان أحد أساتذتي فيه أستاذا متمكنا لا يكاد يضاهيه في هذا العلم أحد...
أفُقٌ سائم في المدى
يرتدي جبة من يقين
وفي الشك كل خريف يقيم على
أمل شائكٍ
للدوائر أمسى زبونا كريم النِّجارِ
يحب التولّهَ بالغيمِ
يَنعَمُ في زمن مغلقٍ
ويعير بداهته لقرنفلة
من أصابعها انبجس العشق رهوا
ففاضت بكثبان ريحٍ على البيدِ
بعاطفة زاهيةْْ...
(واعتلى البرق تلّا حنيذا
فأشعل رأفته فيه
ثم خاط...
إن ما يجعل السمع منتبها وملتفتا للشعر ويجعل النفس تنفعل وتتأثر به وله وتلبي دعوته هو موسيقاه الناشئة عن الإيقاع الناشئ بدوره عن الوحدات الصوتية لكلماته وتعابيره.ولذا فالإيقاع رافد من الروافد الأساسية التي يتميز بها الشعر،وهذا الكلام أراه لا يروق كثيرا للنثريين الذين يرون أن الشعر إنما هو ترصيف...
جهتي امتدَّ منها مدار سنيٌّ
عناصره تتدفق بالرياح التي اندلقتْ
تحت أزمنة آسنةْ
قلت ساعةَ أقعى على ثبج الأرض
نرد الرخام
وأنشأ يقرأ إغواءه العاطفي الفسيح
"إذا أقبل الليل يحمل أقماره
والدوالي انثنت تتهجّد
سوف أوالي صعودي المجيد
إلى البحر
ثم أكابر
حيث أقوم بعدِّ قواقعه جملة واحدةْ"
كوكب الله ليس...
عندما قال الكاتب الفرنسي جورج بوفون :"الأسلوب هو الرجل نفسه"فهو قد كان يعني فيما يعنيه أن الكاتب عليه أن يحقق فرادته في الكتابة من خلال الأسلوب ليحقق ذاته ،بحيث إذا ما قرأ المرء نصا أدبيا ـ وفي الشعر بالذات ـ بدأ الكاتب صاحب النص منتصبا أمامه ومتفردا في مواصفاته لا يلتبس عليه بشخص آخر أبدا،وإذا...
قبل ظهور جِبِلَّته
هل عرف الحجر متاه الأرض
فصار يعد له مقصلةً؟
هو كان يميني لما أزمعت
على أن أحدجه
بصري حينئذ كان حديدا
وعريضا مثل سماء تتمطى في الزرقةِ
طازجة السمتِ
شرعتُ أحايث لوعة ما يتبقى
من أصداف البحر
بها تأخذني الرأفة ساعة تعفي ألقي
من شعث الوقت
وتصنع لي من فذلكة النايات مدارا ممتلئا...
التجربة الشعورية هي تجربة فردية لا يمكن الاطلاع عليها وإبرازها بشكل علني إلا من خلال الصورة التعبيرية،فالصياغة التعبيرية هي وحدها الكفيلة بإبلاغها إلى المتلقي وليس شيء آخر يقوم مقامها من هذه هذه الناحية.بحيث نجد أن التجربة الشعورية ذات قيمة معينة ،وهذه القيمة منوطة بمقدار ما يستطيع اللفظ نقله...
هو يوم ينشر رٌوزْنامته
داخل مقبرةٍ
يعرج في صخب الأمداء بلا
أدنى وجلٍ
يملك شطأً يرتفق الماءَ
ولو نام قليلا
لانطفأ على مرأى منه زمنٌ
غير الزمنِ
ولانثال حواليه حجر
لا يتميّعً،
يا سيد أحلى النظرات أدرْ
عينك نحوي
دلَّ خطاي على أين يكون النخل
يطل من الشرفات على الواحات
بعيون وامقةٍ
لأخيط له وطنا...
حينما نتحدث عن الشعر بوصفه جنسيا أدبيا راقيا يسمو بالإنسان ككيان وجودي ويسمو بحسه الجمالي إزاء الأشياء في الكون وإزاء ذاته قارئا وقارضا ،فإن هذا لا يعفينا من الالتفات إلى ناحية أخرى تتعلق به من حيث تلقيه ومن حيث تداوله في المجتمع ،وخاصة بين الفئات المتعلمة.
إن المتتبع لحركة الشعر على المستوى...
أعتاد على زمنٍ ممتلئ
ببراري الصمت
يبادهني بطفولته مثل ذهول منفلت
من سنبلةٍ تتحين ما تسفر
عنه القيلولةُ
أسأله عن كيف تفرد بحالته
حتى أصبح يصبو لرخام الليل
ويترك عمدا ناظره يرقص
نصب الشارعِ
منه تقتبس الحانات نعوت الحتف
لتظهر صابئةً
ولكي ينطلق الغيم يردُّ إلى فيه
تجشؤه القارصَ،
من وحَل الأرض...
ازدهار الأدب الحديث لم يأت هكذا عفوا بل كانت هناك أسباب ثاوية من وراء تطوره وتقدمه،ولعل الحس الوطني والقومي كانا دافعين أساسيين إلى هذا الازدهار على مستوى كافة الأجناس الأدبية من شعر وقصة ورواية ومقالة إلخ.
لقد كان الحس الوطني المحلي بدأ يعم وينتشر تقريبا منذ بدأ الغزو الاستعماري للبلدان العربية...
أجر إلى الظل قوسَ يديّ
وأشرع في البحث عن رغباتي
لأُشْرف منها على حجر هادئ
قد تأبّد بين غديرين ينحنيان
ويرتكسان إلى ضفة ناشزةْ
كان وجهي هناك تلفع بالاشتهاءات
منبهرا بالسماء العريضة
حادّاً كمثْلِ قرنفلةٍ عندها تنتهي فجأةً
فترة الحيضِ
وهْي تمر بشهر النقاهةِ،
في رغبتي أنا مؤتلفٌ
والسلالات تحمي...
آثرت أن أكتب في هذا الموضوع لأسباب ذاتية و أخرى موضوعية، فالذاتية تتجلى في الحنين إلى ذلك الماضي الجميل أيام التحصيل والدرس، والموضوعية تتجلى في كون الموضوع لم يعد يعنى به كما كان الشأن في وقت سابق، ولا أدري عما إذا كان طغيان المناهج الحديثة في النقد الأدبي للشعر أزاحته وأبعدته عن تناول النص...