منْ بعد دهرٍ صدفةً قابلتهُ
و العمر فوق المنكبينِ ثقيلا
أبصرتهُ يرنو إليَّ بدهشةٍ
و تعجبٍ يترقبُ التأويلا
وأَسَرَّ لي قولاً.. تَهامسَ: يا فَتَى
قَدْ شابَ شعركَ قد هَرِمتَ قليلا
أين النضارةُ ؟ لا أركَ كما مَضَىَ
أين البشاشة ُ؟ أَمْ غدوتَ بخيلا؟
أين ابتسامتك الجميلةَ ؟ فارقتْ
وجهاً تعوَّد...
يقْسُو و يَحْنُو كَقَيْظٍ خَالَطَ البَرْدَا
كالشَوّْكِ في غُصْنِه قَدْ حَاوَطَ الوَرْدَا
مِثْل السَراب الذي يهفو له ظَمَئِي
لم أدرْ هل قدْ دَنَا مِنِي أمْ ارْتَدَّ
نُورٌ و نارٌ مَعَاً... تُهْدِيِنِي طَلَّتهُ
فجراً و في نأيهِ.. ليلُ الجَوَىَ اشْتَدَّا
مُتَقَلِّبٌ ظَالِمٌ ما انْفَكَّ يَغْدُرُ بِي...
و للأفراحِ طَعْمٌ مُسْتَحَبُّ
يطوقُ لنَيْلِهَا لبٌ و قَلْبُ
و يَحْلُمُ كُلُّ حيٍّ أن يَرَاها
و تنْشُدُها النفُوسُ و تَشْرَئِّبُ
فإنْ جاءَتْ .. خذوها واغنموها
و ضُمُوا في رِكَابِهَا مَنْ تُحِبُوا
و لَكِنْ ما السَعَادَةُ يا رَفَيقي
سؤالٌ مُبْهَمُ.. سَهْلٌ و صَعْبُ
لكلٍ درْبهُ للبَحْثِ...
يا لائِمَ النَّهْرِ انحِسَار مِيَّاهِهِ
إِسْأَلْ مَنَابِعَهُ عَن الأسْبابِ
و إذا أردْتَ فَسَلْ رياحاً زمْجَرَتْ
يوماً على الوادي بِغَيْرِ عُبَابِ
ما كانَ ضَرَّكِ لو أتَيْتِ بِمَاطِرٍ
يا ريحُ كيْ تَحْيا عَلَيْها رَوَابِي
أو سَائِل الشَمْسَ التي مِنْ قَيْظِهاَ
جَفَّتْ شُجَيّْراتٌ بِبَطْنِ الغابِ...
أُحَدِّقُ فِيِ تَفَاصيلِ المَرَاَيَا
فأُبْصِرُ داخِلي أحَداً سِوَايا
غريب الوجهِ مجهولاً كأني
أتيتُ من الأحَاجِي و الحَكَايَا
فلا اللونُ المقابلُ لي.. كَلونِي
ولا هِرَمِي يُنَبِئُ عَنْ صِبَايَا
فهلْ أنا مَنْ أنا أمْ أنَّ غَيْرِي
تَسَرَّبَ رغمَ عَنِي في دِمَايَا
و مَنْ ذاكِ الذي لاحَتْ لِعَيْنِي...