العشرات أو المئات بل الآلاف، هم جزء من الناس وليس الجميع، الحق لا أستطيع أن أجزم برقم محدد. لكني هنا حيث وُجدت، ووعيت على ما يحدث حولي. وهم يأتون إليّ، ليس تكبّرًا منّي أو تفضلًا منهم، لكنها هكذا العلاقة بيني وبينهم .
يمرّون بي، أو يمرون عليّ، أنا مسافة قصيرة للانتقال من بر إلى آخر، أنا الشاهد...
غلظة في الحديث. يلوّح بيده في حدّة تعكس غضبًا يكاد أن يفلت منه..
مفرداته اللغوية متقطعة، اللهجة صارخة، حتى أنني لم أتمكن من فهم الداعي لثورته هذه بخاصة وأن ليس ثمة سابق معرفة بيننا!
أشرت له بالدخول ورحَبت به بعدما وقفت تقديرًا لدخوله عليّ، خشية رد فعل لا أعرفه، قلت:
-تفضل بالجلوس أولًا، ثم...
تكره جدتي – لأمي – طوال حياتها مقولة: "ضل راجل"؛ من أجل ذلك لم تتوانَ أن تطرد ثلاثة من بنيها إلى قارعة الطريق عندما استشعرت أن بهم ميلًا للركون جوار الحائط.
ثم شمّرت عن ساعديها؛ أرسلت في طلب مأذون الحي، أجبرت خمسة حوائط من الطوب اللبن أن يطلقوا بناتها. أخبرت الناس من تلقاء نفسها أن الفراغ خير...
نعم ونؤكد أن..
الدَفْعَة كانت قوية، وهو لا يعرف من أين أتته أو من دفعه هكذا. لكنه – على العموم – هوى من أعلى نقطة في سطح القصر، والقابع بدوره في أعلى جبل صخري يكاد يلمس السماء بقمته الحادة.
وقع "سنمار"؛ وراح يتدحرج بعنف على الصخور. فكان طبيعيًّا أن يُعلن عن موته بمجرد أن أوقعه خصومه في حركة...
ثم قال لي:
-ألم ننهكَ عن ذلك؟
قلت: بلي.
-لمَ عُدتَ إذن؟
-قد أدمنت الذنب، بعده يكاد يقتلني الندم، لكن يقيني أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
-ماذا تريد؟
قلت: الغفران، بدء صفحة جديدة.
-أوشك الدفتر أن ينفد، أو لعله قد نفد بالفعل.
قلت: لا، لا تزال هناك ورقة مطوية في نهايته، أخفيتها منذ...
توقفت أمام العمارة الشاهقة؛ ظللت أتطلع لها في صمت، أستجمع أفكاري، أسترد ذكريات قديمة عن مُضيّفي، من قبيل الاطمئنان الظاهري، قلت:
نعم.. العنوان مضبوط، كما هو مكتوب: ..
الشارع.
رقم العمارة.
العلامات الإرشادية من"
محل عصير القصب.
المقهى الصغير البلدي الذي تفوح منه رائحة المعسّل العطنة بكثافة.
محل...
ثم أطاح "سعيد جبر" بيمينه برقعة الشطرنج – فجأة في عزّ اللعب الدائر – فتناثرت القطع بطول مقهى "الشوشاني" وعرضه. منها ما أصاب زبونًا ينتظر طلبه، ومنها ما وقع في الخارج؛ غاصت في عمِّة " حسّان" ماسح الأحذية الكهل الصعيدي؛ فلم يهتم أو يلتفت، فقط ظل في عالمه وصمته وترقبه للجهة الأخرى من الطريق.
كذلك...
يذكر "سعيد جبر" في أوراقه التي تركها، وقد عرفنا بها بعد انقطاعه عنّا واختفائه الطويل؛ فقد عثرنا عليها -بالصدفة- حينما بيع أثاث بيته وعفشه في مزاد علنيّ لاستيفاء المستحق عليه من ديون للمؤجر وغيره من الدائنين..
إذ يقول " سعيد" في صدر مذكراته وبخط منمّق أقرب إلى الخط الديواني:
-إن القهر درجات؛...
وما جرى أن "صفوان" خرج من بيته وفي رقبته لافتة من الورق المقوّى، مدلاة بحبل من عنقه، مساحتها بالكاد تغطي صدره العاري، يرتدي بنطلونًا قصيرًا، أو ما يُقال عنه "شورت".
وفي يده قلم سميك السن، غليظ الخط من الحبر الأسود، راح ينادي على المارة، وبخاصة من لا يعرفهم، يقول:
-من لديه عِبرة أو عِظة أكتبها...
هذه لحظة تتكرر على فترات، لكن ليست كل مرة كسابقاتها إذ تنحرف فيها رتوش صغيرة جدًا لا تكاد تُلاحظ.
في كل مرة يختلط فيها الوهم بالواقع، يمتزج الخيال بالحلم؛ لم يكن ما رأيته عبثًا، بل حقيقة عشتها من قبل.
كل مرة أقول:
لقد مشيت في هذا الطريق من قبل، رأيت ذلك الشيخ الثمانيني الذي يتكفف الناس، لا...
لمّا رأتني "أم محمد" بائعة الجرائد، أشارت لي أن أقترب منها؛ بل برضاء نادر وافقت أن أتجاوز الخط الأحمر الأخير- ذلك الذي لم تسمح لأحد من قبل بعبوره إليها -. ثم ردّت سلامي، وهي تعيد رزمة "الأهرام" لتنسيق تحرص عليه بشدة ؛ وألّا تخرج نسخة عن الصف، قالت ,وهي تمسح يدها في جلبابها الأسود:
"-فلان" يقرؤك...
هي مجرد لحظات، لقد تهيأت لذلك جيدًا، درّبت نفسي على هذه الوقفة. ثق أنني لن أقاوم، بل لن أشعر بشيء، إذ فعليًّا فقدت الشعور من زمن بعيد.
أرجوك نفّذ وبسرعة..
هكذا أخبر "عبد الله روبي" "عشماوي" وهو يربط يديه من الخلف، قبل أن يضع العصابة السوداء الشهيرة على عينيه ورأسه.
لا يتحدث عشماوي مع زبائنه،...
رأيتها عدة مرات على مدار سنوات لا تقل عن العشر, في كل منها كنت منشغلًا بجريدتي.
لكن ظللت أعرف بمرورها من..
عطرها العتيق الذي يلتصق بذرات الهواء لفترة,
من حفيف أوراق شجرة عجوز لم تكن تهتز طربًا إلّا عند قدومها,
من ترحيب بائعة الجرائد القابعة بناصية "بهجت" وهي تقول لها بصوت مسموع:
-أهلًا بست...
قلتُ وأنا أقف عند رأسه: لقد طالت رقدتك هذه المرة يا شيخنا. علمتُ من الطبيب أن النازلة هيّنة، خطرها بسيط، فلا تستسلم للمرض. ثم تتبّعت بعيني الوميض الصادر من الشاشاتٍ والأجهزةٍ الطبيةٍ التي تعلو رأسه.
بصوتٍ واهن، ردّ الرجل: لقد نال منّي التعب فوق ما يتخيّل إنسان.
سألته: ألك حاجةٌ أقضيها؟
أجابني...
عادة الأهل في الجنوب، أنهم يعشقون منازلة الشمس وقت الظهيرة في أشهرِ الصيف الحارقة، لا يعرفون قيمة السَمَرْ إلّا في جوف الليل، ذلك وقت تنقطع فيه الأرجل، تغفو أعين المخبرين، غير أن الأنفس المتعبة تجد فيه راحة ما بعدها راحة.
تتواصل الأرواح بهمس في البداية، ثم تُطرح بتحفّظ رسمي رؤوس موضوعات، لكن...