لطالما رأينا "أم سعيد" ترفع يديها، تولّي وجهها للسماء، تدعو لصغيرها "سعيد" سرًّا وفي العلن. تُلحّ في الدعاء، تتوسل، تبكي بحرقة. فكنا نغبط ولدها "سعيد جبر" ونحسده على هذه النعماء.
فلمّا التقيت الشيخ بعد أربعين عامًا، وجدته لا يزال على عهدي به رقيق الحال، يقف عند بداياته الأولى. وقد عرفته دون...
قالت: لطالما طفتُ بالمقام كلما مررت به، قبل أن يتوارى عن ناظري، التفتُ إليه، أرميه بابتسامة تخرج من قلبي.
ثم لوّحت بإصبعها في وجهي، أكملت: لم يرني أحد أبدًا وأنا أفعل هذا، غير أنني أحسّ كل مرة كأن النجوم ترمقني من بعيد، تتغامز، لا تنسى أن تلمزني بأشعتها، ترسلها وتلسعني برودتها، أفيق لنفسي.
ثم…...
"لا بيخاف ولا بيختشي"
هكذا حسم " جابر " خفير المبنى الحكومي الأمر، أصدر حكمَه بصورةٍ قاطعة، قال ذلك وهو يعلم جيدًا أننا لن نراجعه في مقولتِه، وإلّا ما جئناه نطلبُ رأيه في "أيمن سلَّام" زميلِنا في العمل منذ فترةٍ بعيدة.
لقد قابلت " أيمن" قبل أربعين عامًا على سلالم مبنى قبة الجامعة؛ بهيئته...
عظيم الجسم، طويل، شديد بياض الوجه باحمرار، حاد الملامح ، قاسي النظرة، جهير الصوت حتى أنه عندما يهمس إليك بسرِ، تجد خلق الله على مسافة غير قليلة قد سمعوا القصة، فصعب أن تحدّثه في شأن خاص.
رغم هذا كان رقيق القلب، رؤوفًا بالقطط، لا يعرف التلوّن في الكلام، صريح في حديثه حد الوقاحة، حتى عفّ الناس عن...
عزمتها على فنجان قهوة في حتة بعيدة –كما تقول الأغنية الشهيرة–، اخترت نقطة تلتقي فيها الألوان الثلاثة – الأصفر، الأخضر، الأزرق – في ودّ نادر. في مقهى "لوبوليس"، هو في ذاته بقعة أسطورية أحسب أن عقلي من أوجده وخيالي جعله حقيقة.
حين جمعتني بها ترابيزة صغيرة من الخوص، أهديتها رزمة من الأقلام الرصاص...
"أيوب" من قدامى قطاع الطرق، غير أنّه هجر الشقاوة، وأعلن توبته منذ فترة ، أقام "حانوتًا" صغيرًا يبيع فيه الحلوى للأطفال.
بجعبته حكايات تأسر الألباب، كنا كلما جالسناه ـ بعد أن نشتري بضاعته، يحكي عن مغامرات خاضها ولا حصر لها، حينما نستمع إليه نشعر بسعادة غير أنها تنتهي كل مرة بقلق.
عدا عجوز، كانت...
ثم أمسكَ "إسحق خليل" يدي، وقال:
- اقترب.
لمّا دنوتُ منه، وجدتُ حرارته مرتفعة، وقد بدت عليه أعراضُ النزع الأخير، تلك التي يمرّ بها من يوشك أن يصل إلى محطّته الأخيرة ـ
ثم همس:
- لا حياة دون تجربةٍ حقيقية، لكنّي أخشى عليك المرور بالتجربة. هي قاسية، قادرة على أن تُبدّل حالك إلى آخر لا أرغبه لك...
المتاح عنه من معلومات قليلة ، إن شئت الدقة فهي شحيحة لديّ، لا تختلف عمّا يعرفه الباقون. لكن ذكراه عالقة بذهني، وذكرياتي عنه باقية مستقرة في أعماقي.
أدركته في الأعوام التي سبقت وقوع مأساته. كان حسن الصوت، يعشق الغناء، يقلّد أصوات كبار المطربين والمقرئين في عصره.
لم يترك فرحًا إلا ورأيته يُنَحّي...
أخبرني أنه يكتب لنفسه، أنه سئم -منذ سنوات- انتظار رأي الآخرين في نصوصه. وأنه الآن يعكف على كتابة قصصه، ما إن ينتهي من واحدة منها، حتى يذهب ليتوضأ، ثم يرتدي أجمل ملابسه، ينثر بضع زخّات من زجاج عطر غالية الثمن، يدفنها بين طيّات ملابسه في دولابه ذي الضلفة المكسورة. ثم يقف أمام مرآة كبيرة بحجمه...
"مفيش ميت بيدفع أجرة."
تلملم الشمس بقايا أشعتها الذهبية الدافئة، بدا أنها تتثاءب وترغب في الرحيل مبكرًا كعادتها في أيام الخريف.
حينها كنتُ أنتظر سيارة أجرة على ناصية أحد شوارع "المهندسين"، للذهاب إلى ميدان "الجيزة"، ومنه أقفز لأقرب عربة لأعود إلى بيتي بعد عمل يوم شاق.
ما أكثرها أيام الشقاء، حتى...
وبداخلها...
ذنوب قديمة ملقاة بإهمال في كيس بلاستيكي أسود، ومعها مفتاح صدئ لباب لم يُفتح منذ ثلاثين عامًا تقريبًا، كذلك وشايات ونميمة لم تشارك فيها، لكن تصرّ أن تحتفظ بها حتى حين.
أقلام أحمر شفاه، بعضها سليم، أخرى مستعملة حتى منتصفها أو كادت تفرغ، تتفاوت ألوانها بين الأحمر الفاقع حتى تقترب من...
"ما بيننا خصومة شريفة، عداء يقف عند حدّ، لا نتجاوزه بأي حال.. أليس كذلك؟"
هكذا أخبرني "مؤمن سالم" حينما التقاني قبل مغرب أمس بقليل، وأنا في طريقي إلى مقهى «الحريف».
لقد تحاشيتُ السلام عليه، تجهمتُ في وجهه، أعرف أنه يبادلني كراهيتي الصريحة له بمثلها وزيادة.
قد اتفقتُ معه فيما قال، وزدتُ: أرحب...
وممّا قاله "عنترة العبسي" ولم أعقله منه حينما عُدته في أخريات أيامه — لعلمي أن الخرف يؤثِر صحبة الرجال في نهايات أعمارهم:
-إن تملّكني الحنين إلى "عبلة"، أنطلق بسيارتي العتيقة إلى مغسلة على أطراف المدينة، أضع العربة بين أيدي الصبية هناك، يعملون فيها إرادتهم وصنعتهم.
لكن تمنعني شيخوختي من الوقوف...
بتأففٍ وضع منديلًا ورقيًا مبلّلًا بعطرٍ أخّاذٍ على فمه وأنفه، وصاح: المتسوّلون في الخارج ينتشرون كالجراد! إنهم في كل مكان؛ يحتلّون الميادين، يحتمون بأرصفة الشوارع، يبيتون تحت الكباري، وفي مداخل العمارات الحديثة والبيوت القديمة، يفترشون الطرقات المؤدية لدور العبادة، يقتحمون حياتك، لهم جرأة عجيبة...
لم يكن سؤالًا بقدر ما كان توبيخًا مستترًا، حين سألني: هل استرحت الآن؟ وأنت تنتقل ما بين الباب والنافذة المطلّة على الشارع، تسترق السمع لأي أقدام تصعد السلم، تنظر من بين فلجات ألواح النافذة الخشبية التي نخرها السوس، ترقب القادمين من بعيد، يدقّ قلبك بشدة لأي طيف يُقبل عليك، تتراقص الخيالات...