اقتادوه مكبل اليدين من مكتبه في المستشفى... عيون الأطباء والممرضات تتبعه بدهشة وذعر.
صرخ أحد الضباط:
– . أنت مش دكتور سامر… أنت نصاب
ارتجف، شعر أن كل شيء انتهى.
لكن فجأة شق صراخ آخر الممر:
– "ابن الوزير بينزف! لازم يدخل غرفة العمليات فورًا."
تقدّم الضابط بخطوات صارمة، لكن زوجة الوزير قطعت الطريق، صوتها يتهدج:
– العملية دي محدش يقدر يعملها غيره.
صاح الضابط:
– "كيف تثقين في محتال؟ كيف تجازفين بحياة ابنك؟
همس الوزير، ووجهه يقطر عرقًا وذعرًا:
– "لو سلمته للعدالة دلوقتي… ابني هيموت."
ارتبكت العيون.
الضابط نظر إلى السجلات بين يديه، ثم إلى وجه الأم المتوسل، ثم إلى الجراح المكبل، وهو لا يدري: هل هو فعلاً دكتور سامر، أم مجرد ظل له؟
***
كان البيت ضيقًا، لكنه يتسع لآمال الأب.
على الجدران صور توأمين بزي مدرسي واحد: عادل وسامر.
في المدرسة يخلطون بينهما، حتى الأم تنادي اسمًا فيلتفت الاثنان معًا.
يوم ظهور نتيجة الثانوية، رفع الأب رأسه عاليًا:
– "اتنين أطباء في البيت. هنرفع راسنا بين الناس."
دخل التوأمان كلية الطب. سامر يذاكر بلا توقف، يشرح لزملائه، كل شيء عنده يسير بسلاسة وكأن النجاح طبيعي، وكل إنجاز له يُحتفى به ويشكر عليه الجميع.
أما عادل، فكان لديه ميوله الخاصة وطريقته المختلفة في التعلم. كان يحاول، يبذل جهده، يقضي الليالي بجانب أخيه، يحل الواجبات بطريقته، لكنه شعر دائمًا أن أي نجاح يحققه يمر مرور الكرام، بينما سامر يحصل على الثناء والتقدير المستمر: "عظيم… ممتاز… يا له من طبيب!"
غضب الأب في إحدى المرات:
– "إزاي تسقط في أول امتحان؟"
خفض عادل رأسه، قلبه مثقل، يعرف أن أي إنجاز له سيقابله دائمًا صدى أعلى لأخيه، وكأن نجاحه لا يُحسب إلا إذا فاق سامر.
– "المرة الجاية هتتعدل."
لكن المرات تكررت، سنة بعد سنة. الفشل والنجاح عنده أصبحا مرآة مشوهة تقارن دائمًا بما يحققه سامر، وكأن كل جهده يُهمش أمام نجاح أخيه الباهر.
ظل في الكلية سنوات طويلة كأنه عالق في متاهة، يحاول أن يثبت نفسه، ويحس دائمًا أن أي خطوة للأمام تُخفى خلف ضوء سامر الساطع.
وفي إحدى الليالي، بعد امتحان صعب، انفجر فجأة:
– "أنا… أنا مختلف! أنا لي شخصيتي… أنا مش سامر!"
تردد الصدى في الغرفة الفارغة. قلبه يضطرب، عيونه تدمع، وكأن كل سنوات الظل والضغط النفسي تنهار في لحظة واحدة.
ابتسمت مرارة الماضي على وجهه، لكنه شعر لأول مرة أنه يمتلك هويته الحقيقية، بعيدًا عن أي مقارنة أو قيود، وأن نجاحه مهما كان صغيرًا فهو قيم لأنه يخصه وحده.
قالت الأم بمرارة:
– "ليه يا عادل؟ كنتوا نسخة من بعض… هو ليه طلع فوق وإنت…؟"
ابتسم بمرارة، وهو يعرف أن كل نجاح حققه كان يختفي في ظل المقارنة المستمرة، وأن الفشل الذي يشعر به لم يكن فقط نتيجة امتحانات، بل نتيجة صدمة نفسية متراكمة جعلته يعيش دائمًا في الظل.
***
ومع ذلك، لم ينقطع يومًا عن أخيه. كان يلازمه كظل حقيقي، يدخل معه قاعات التشريح، يراقبه في المستشفى الجامعي، يجلس خلفه في المحاضرات حتى بعدما صار دخوله غير قانوني.
كان يرى يدي سامر تتحركان في العمليات، يحفظ التفاصيل الصغيرة، كأنه يعيش حياته بالنيابة عنه.
مع السنين صار سامر طبيبًا لامعًا، الجرائد تنشر صورته.
أما عادل فتقاذفته الوظائف الصغيرة: صيدلية، مخزن أدوية، مكتب تأمين.
في كل مرة يشاهده أبوه يقول:
– "شوف أخوك… ده فخر العيلة. وأنت؟"
فيرد عادل هامسًا:
– "أنت جبت اتنين توأم… لكن واحد بس اللي عايش."
ثم وقع الحادث المروع..
جنازة مهيبة.... نعش مغلق.
الكل بكى.
لكن حين أمسكته الأم بيد مرتعشة، كانت كلماتها غامضة كأنها تصلي:
– "يا سامر… ما تسيبنيش زي ما أخوك سابني."
ارتجف، فتح فمه ليتكلم، لكن الأب قاطعه، صوته مكسور لكنه قاطع:
– "البيت… محتاج."
وسكت، لم يُكمل. ترك الجملة معلقة، كأنها أمر وكأنها دعاء.
ومنذ تلك الليلة عاش بوجهٍ آخر،
كان يعيش صراعًا داخليًا عميقًا: هل الإنسان هويته في اسمه؟ في مهنته؟ أم في صدق نفسه مع ذاته؟
***
في أول عملية طارئة، كاد يصرخ: "أنا مش هو...
لكن المريض كان بين الحياة والموت.
صاح المساعد:
– "النزيف بيزيد!"
"وبلا وعي، تحركت يداه وكأنهما يدا أخيه التي رأها تتحرك عشرات المرات. قال بثقة غريبة:
– 'النزيف… افتح هنا.'"
نجحت العملية.
صفق الجميع: "الدكتور سامر أنقذ المريض."
أما هو فجلس في زاوية مظلمة يهمس:
– "أنا… مين فينا؟"
ومنذ تلك اللحظة بدأ السؤال يلتهمه: هل الهوية تُصنع بالورق والشهادات؟ أم بالقدرة على الفعل؟ هل هو دجال أم طبيب بالحقيقة؟
وللعجب… كأن المستحيل صار ممكنًا!
تتابعت النجاحات كالسيل الجارف، عمليات معقدة كان كبار الأطباء يعجزون أمامها، فيخرج هو منها منتصرًا.
ذاع صيته بسرعة مذهلة حتى أن الجرائد كتبت بدهشة: "معجزة الطب… الطبيب الذي لا يخطئ!"
الأطباء يتهامسون: "كيف يفعلها؟!"
المرضى ينظرون إليه بذهول كأن بين يديه سرًّا سماويًّا.
الأغرب أنه نفسه لم يكن يصدق ما يحدث! يقف بعد كل عملية مذهولًا، يهمس: "هل أنا فعلًا الذي أنجز هذا؟!"
حتى صار اسمه يتردد في كل المحافظات، ويُستدعى على عجل لإنقاذ الحالات المستعصية، ثم يسافر للخارج مدعوًّا لإجراء أعقد الجراحات، فيستقبله الأطباء هناك بانبهار: "كيف… وكيف؟!"
لم يتوقف الأمر عند حدود المستشفى.
استُدعي إلى مؤتمرات بالخارج، وأُجريت على يديه عمليات دقيقة عجز عنها حتى كبار الجراحين الأجانب.
وقفوا حوله في قاعات العمليات كالتلاميذ، يسجلون حركاته خطوة بخطوة.
صحف العالم كتبت عنه: "المعجزة القادمة من الشرق".
بل إن مراجع الطب في أوروبا أدرجت طريقته الجديدة في معالجة النزيف المستعصي، وتناقلت الجامعات اكتشافاته التي أنقذت عشرات الحالات التي عُدت يومًا ميؤوسًا منها.
كان يعود إلى غرفته في الفندق، يجلس أمام المرآة، يحدق في وجهه ويسأل نفسه:
– "هل كل هذا كذب؟
لو لم أكن طبيبًا… هل يلغون ما أضفته للعلم؟ هل تمسح المراجع اسمي؟ هل تُشطب اكتشافاتي كما لو لم تكن؟!"
كان يعيش في دهشة لا تنتهي، كأنه يركض فوق خيط رفيع بين المعجزة والهاوية، وكل نجاح يزيد حيرته: أهو سامر الذي تفوّق عليه يومًا؟ أم أنه صار يتفوق حتى على ظله القديم؟
وحين طلبه المسؤول الكبير لإنقاذ حياة ابنه، كان الجميع مقتنعًا أنه "المعجزة" الوحيدة في هذا التخصص النادر.
***
عاد من شروده على صوت الضابط:
– "ما ينفعش نفك القيود. ده متهم بالنصب."
لكن الوزير صاح:
– "ابني بيموت! لو مات… دمّه في رقبتكم."
صاح ضابط آخر:
– "هاتوا كبير الأطباء فورًا!"
دخل كبير الأطباء ومعه فريق من الجراحين. وقفوا يتبادلون النظرات، الوزير يصرخ:
– "أنقذوا ابني… أيكم يتقدم؟"
أجاب كبير الأطباء بصوت متوتر:
– "دي جراحة دقيقة جدًا… التخصص ده نادر. احنا… ما نقدرش."
تتابع الأطباء في الهزّ بالرؤوس:
– "لا نستطيع."
– "ما نقدرش نغامر… هو الوحيد اللي يعرف."
الوزير يقترب منهم بعينين دامعتين:
– "يعني ابني هيموت؟!"
سكت الجميع، ولم يُسمع سوى صوت الأجهزة يصرخ من غرفة العمليات.
صاحت زوجة الوزير:
– "اتركوا الدكتور سامر."
تبادل الضابطان النظرات، ثم قرر أحدهما:
– "نفك إيده بس… يشتغل وهو تحت حراستنا."
دخل غرفة العمليات، قيد معدني يلمع في معصمه، جنديان عند الباب، العرق يتصبب، الأجهزة تصرخ.
الممرضة تهمس بخوف:
– "دكتور… دي دقيقة مصيرية."
الضابط يقترب ويقول بلهجة حادة:
– "لو غلطت… هتتحاسب فورًا."
رفع المشرط بيد مرتجفة.
وللحظة، لم يرَ سوى أخيه يقف بجانبه، بوجهه الأبيض المشرق، يمد يده فوق يده.
صوت خافت يملأ رأسه:
– "كنت تراقبني دائمًا."
همس:
– "… أنت هنا؟"
ابتسم الظل، وقال كأنه يذوب في جسده:
– "أنا… أو أنت… ما الفرق؟"
ارتعش قلبه. للحظة لم يعرف: أهو عادل الذي يتذكر أم سامر الذي يعود؟
أطبق جفونه، ثم بدأ يشق الطريق.
مرت الدقائق كسكاكين في الهواء.
ثم… استقر النزيف.
الأجهزة هدأت.
الولد تنفس.
صرخت الممرضة:
– "نجح… العملية نجحت!"
اندفع الوزير يحتضنه:
– "إنت معجزة، يا سامر."
لكن الضابط اقترب، صوته متصلب:
– "رغم كل ده… المتهم لازم يتسلم."
انفجرت زوجة الوزير باكية:
– "متهم إيه؟! ده أنقذ ابني… إزاي يكون نصاب؟!"
صرخ الوزير في وجه الضابط:
– "لو مش طبيب بجد… كان ابني دلوقتي في القبر. كل العمليات اللي عملها؟ كل النجاحات اللي سجلوها في المراجع؟! هل العالم كله اتخدع؟!"
الأطباء يتهامسون، الممرضات يذرفن الدموع، الضابط متردد، وهو واقف بينهم كأنه غريب عن نفسه، لا يعرف: هل هم يحمونه لأنه سامر فعلًا؟ أم لأن معجزته أجبرتهم أن يؤمنوا بما لا يُصدَّق؟
أما هو، فوقف أمام مرآة غرفة التعقيم، ينظر إلى وجهه.
كان يحادث نفسه:
هل هو سامر؟!
أم عادل الذي كان مجرد ظل؟
وفجأة، ترددت في أذنه كلمات أمه القديمة:
– "يا سامر… ما تسيبنيش زي ما أخوك سابني."
ارتجف، شعر للحظة أنه هو الميت منذ زمن بعيد، وأن الذي يعيش الآن ربما لم يكن سوى الآخر.
الهوية بدت له كقناع يلتصق حتى يصير جلدًا.
الإنسان قد يُدفن وهو حي!!
لكن من يحدد الهوية؟
الدم؟ الورق؟
الذاكرة؟
أم اللحظة التي يواجه فيها ذاته ويقول: "هذا أنا؟!
لم يجب أحد.
ولا حتى هو!!
اقترب من المرآة أكثر…
ورأى وجهًا لم يعرف إن كان سامر… أم عادل.؟!
صرخ أحد الضباط:
– . أنت مش دكتور سامر… أنت نصاب
ارتجف، شعر أن كل شيء انتهى.
لكن فجأة شق صراخ آخر الممر:
– "ابن الوزير بينزف! لازم يدخل غرفة العمليات فورًا."
تقدّم الضابط بخطوات صارمة، لكن زوجة الوزير قطعت الطريق، صوتها يتهدج:
– العملية دي محدش يقدر يعملها غيره.
صاح الضابط:
– "كيف تثقين في محتال؟ كيف تجازفين بحياة ابنك؟
همس الوزير، ووجهه يقطر عرقًا وذعرًا:
– "لو سلمته للعدالة دلوقتي… ابني هيموت."
ارتبكت العيون.
الضابط نظر إلى السجلات بين يديه، ثم إلى وجه الأم المتوسل، ثم إلى الجراح المكبل، وهو لا يدري: هل هو فعلاً دكتور سامر، أم مجرد ظل له؟
***
كان البيت ضيقًا، لكنه يتسع لآمال الأب.
على الجدران صور توأمين بزي مدرسي واحد: عادل وسامر.
في المدرسة يخلطون بينهما، حتى الأم تنادي اسمًا فيلتفت الاثنان معًا.
يوم ظهور نتيجة الثانوية، رفع الأب رأسه عاليًا:
– "اتنين أطباء في البيت. هنرفع راسنا بين الناس."
دخل التوأمان كلية الطب. سامر يذاكر بلا توقف، يشرح لزملائه، كل شيء عنده يسير بسلاسة وكأن النجاح طبيعي، وكل إنجاز له يُحتفى به ويشكر عليه الجميع.
أما عادل، فكان لديه ميوله الخاصة وطريقته المختلفة في التعلم. كان يحاول، يبذل جهده، يقضي الليالي بجانب أخيه، يحل الواجبات بطريقته، لكنه شعر دائمًا أن أي نجاح يحققه يمر مرور الكرام، بينما سامر يحصل على الثناء والتقدير المستمر: "عظيم… ممتاز… يا له من طبيب!"
غضب الأب في إحدى المرات:
– "إزاي تسقط في أول امتحان؟"
خفض عادل رأسه، قلبه مثقل، يعرف أن أي إنجاز له سيقابله دائمًا صدى أعلى لأخيه، وكأن نجاحه لا يُحسب إلا إذا فاق سامر.
– "المرة الجاية هتتعدل."
لكن المرات تكررت، سنة بعد سنة. الفشل والنجاح عنده أصبحا مرآة مشوهة تقارن دائمًا بما يحققه سامر، وكأن كل جهده يُهمش أمام نجاح أخيه الباهر.
ظل في الكلية سنوات طويلة كأنه عالق في متاهة، يحاول أن يثبت نفسه، ويحس دائمًا أن أي خطوة للأمام تُخفى خلف ضوء سامر الساطع.
وفي إحدى الليالي، بعد امتحان صعب، انفجر فجأة:
– "أنا… أنا مختلف! أنا لي شخصيتي… أنا مش سامر!"
تردد الصدى في الغرفة الفارغة. قلبه يضطرب، عيونه تدمع، وكأن كل سنوات الظل والضغط النفسي تنهار في لحظة واحدة.
ابتسمت مرارة الماضي على وجهه، لكنه شعر لأول مرة أنه يمتلك هويته الحقيقية، بعيدًا عن أي مقارنة أو قيود، وأن نجاحه مهما كان صغيرًا فهو قيم لأنه يخصه وحده.
قالت الأم بمرارة:
– "ليه يا عادل؟ كنتوا نسخة من بعض… هو ليه طلع فوق وإنت…؟"
ابتسم بمرارة، وهو يعرف أن كل نجاح حققه كان يختفي في ظل المقارنة المستمرة، وأن الفشل الذي يشعر به لم يكن فقط نتيجة امتحانات، بل نتيجة صدمة نفسية متراكمة جعلته يعيش دائمًا في الظل.
***
ومع ذلك، لم ينقطع يومًا عن أخيه. كان يلازمه كظل حقيقي، يدخل معه قاعات التشريح، يراقبه في المستشفى الجامعي، يجلس خلفه في المحاضرات حتى بعدما صار دخوله غير قانوني.
كان يرى يدي سامر تتحركان في العمليات، يحفظ التفاصيل الصغيرة، كأنه يعيش حياته بالنيابة عنه.
مع السنين صار سامر طبيبًا لامعًا، الجرائد تنشر صورته.
أما عادل فتقاذفته الوظائف الصغيرة: صيدلية، مخزن أدوية، مكتب تأمين.
في كل مرة يشاهده أبوه يقول:
– "شوف أخوك… ده فخر العيلة. وأنت؟"
فيرد عادل هامسًا:
– "أنت جبت اتنين توأم… لكن واحد بس اللي عايش."
ثم وقع الحادث المروع..
جنازة مهيبة.... نعش مغلق.
الكل بكى.
لكن حين أمسكته الأم بيد مرتعشة، كانت كلماتها غامضة كأنها تصلي:
– "يا سامر… ما تسيبنيش زي ما أخوك سابني."
ارتجف، فتح فمه ليتكلم، لكن الأب قاطعه، صوته مكسور لكنه قاطع:
– "البيت… محتاج."
وسكت، لم يُكمل. ترك الجملة معلقة، كأنها أمر وكأنها دعاء.
ومنذ تلك الليلة عاش بوجهٍ آخر،
كان يعيش صراعًا داخليًا عميقًا: هل الإنسان هويته في اسمه؟ في مهنته؟ أم في صدق نفسه مع ذاته؟
***
في أول عملية طارئة، كاد يصرخ: "أنا مش هو...
لكن المريض كان بين الحياة والموت.
صاح المساعد:
– "النزيف بيزيد!"
"وبلا وعي، تحركت يداه وكأنهما يدا أخيه التي رأها تتحرك عشرات المرات. قال بثقة غريبة:
– 'النزيف… افتح هنا.'"
نجحت العملية.
صفق الجميع: "الدكتور سامر أنقذ المريض."
أما هو فجلس في زاوية مظلمة يهمس:
– "أنا… مين فينا؟"
ومنذ تلك اللحظة بدأ السؤال يلتهمه: هل الهوية تُصنع بالورق والشهادات؟ أم بالقدرة على الفعل؟ هل هو دجال أم طبيب بالحقيقة؟
وللعجب… كأن المستحيل صار ممكنًا!
تتابعت النجاحات كالسيل الجارف، عمليات معقدة كان كبار الأطباء يعجزون أمامها، فيخرج هو منها منتصرًا.
ذاع صيته بسرعة مذهلة حتى أن الجرائد كتبت بدهشة: "معجزة الطب… الطبيب الذي لا يخطئ!"
الأطباء يتهامسون: "كيف يفعلها؟!"
المرضى ينظرون إليه بذهول كأن بين يديه سرًّا سماويًّا.
الأغرب أنه نفسه لم يكن يصدق ما يحدث! يقف بعد كل عملية مذهولًا، يهمس: "هل أنا فعلًا الذي أنجز هذا؟!"
حتى صار اسمه يتردد في كل المحافظات، ويُستدعى على عجل لإنقاذ الحالات المستعصية، ثم يسافر للخارج مدعوًّا لإجراء أعقد الجراحات، فيستقبله الأطباء هناك بانبهار: "كيف… وكيف؟!"
لم يتوقف الأمر عند حدود المستشفى.
استُدعي إلى مؤتمرات بالخارج، وأُجريت على يديه عمليات دقيقة عجز عنها حتى كبار الجراحين الأجانب.
وقفوا حوله في قاعات العمليات كالتلاميذ، يسجلون حركاته خطوة بخطوة.
صحف العالم كتبت عنه: "المعجزة القادمة من الشرق".
بل إن مراجع الطب في أوروبا أدرجت طريقته الجديدة في معالجة النزيف المستعصي، وتناقلت الجامعات اكتشافاته التي أنقذت عشرات الحالات التي عُدت يومًا ميؤوسًا منها.
كان يعود إلى غرفته في الفندق، يجلس أمام المرآة، يحدق في وجهه ويسأل نفسه:
– "هل كل هذا كذب؟
لو لم أكن طبيبًا… هل يلغون ما أضفته للعلم؟ هل تمسح المراجع اسمي؟ هل تُشطب اكتشافاتي كما لو لم تكن؟!"
كان يعيش في دهشة لا تنتهي، كأنه يركض فوق خيط رفيع بين المعجزة والهاوية، وكل نجاح يزيد حيرته: أهو سامر الذي تفوّق عليه يومًا؟ أم أنه صار يتفوق حتى على ظله القديم؟
وحين طلبه المسؤول الكبير لإنقاذ حياة ابنه، كان الجميع مقتنعًا أنه "المعجزة" الوحيدة في هذا التخصص النادر.
***
عاد من شروده على صوت الضابط:
– "ما ينفعش نفك القيود. ده متهم بالنصب."
لكن الوزير صاح:
– "ابني بيموت! لو مات… دمّه في رقبتكم."
صاح ضابط آخر:
– "هاتوا كبير الأطباء فورًا!"
دخل كبير الأطباء ومعه فريق من الجراحين. وقفوا يتبادلون النظرات، الوزير يصرخ:
– "أنقذوا ابني… أيكم يتقدم؟"
أجاب كبير الأطباء بصوت متوتر:
– "دي جراحة دقيقة جدًا… التخصص ده نادر. احنا… ما نقدرش."
تتابع الأطباء في الهزّ بالرؤوس:
– "لا نستطيع."
– "ما نقدرش نغامر… هو الوحيد اللي يعرف."
الوزير يقترب منهم بعينين دامعتين:
– "يعني ابني هيموت؟!"
سكت الجميع، ولم يُسمع سوى صوت الأجهزة يصرخ من غرفة العمليات.
صاحت زوجة الوزير:
– "اتركوا الدكتور سامر."
تبادل الضابطان النظرات، ثم قرر أحدهما:
– "نفك إيده بس… يشتغل وهو تحت حراستنا."
دخل غرفة العمليات، قيد معدني يلمع في معصمه، جنديان عند الباب، العرق يتصبب، الأجهزة تصرخ.
الممرضة تهمس بخوف:
– "دكتور… دي دقيقة مصيرية."
الضابط يقترب ويقول بلهجة حادة:
– "لو غلطت… هتتحاسب فورًا."
رفع المشرط بيد مرتجفة.
وللحظة، لم يرَ سوى أخيه يقف بجانبه، بوجهه الأبيض المشرق، يمد يده فوق يده.
صوت خافت يملأ رأسه:
– "كنت تراقبني دائمًا."
همس:
– "… أنت هنا؟"
ابتسم الظل، وقال كأنه يذوب في جسده:
– "أنا… أو أنت… ما الفرق؟"
ارتعش قلبه. للحظة لم يعرف: أهو عادل الذي يتذكر أم سامر الذي يعود؟
أطبق جفونه، ثم بدأ يشق الطريق.
مرت الدقائق كسكاكين في الهواء.
ثم… استقر النزيف.
الأجهزة هدأت.
الولد تنفس.
صرخت الممرضة:
– "نجح… العملية نجحت!"
اندفع الوزير يحتضنه:
– "إنت معجزة، يا سامر."
لكن الضابط اقترب، صوته متصلب:
– "رغم كل ده… المتهم لازم يتسلم."
انفجرت زوجة الوزير باكية:
– "متهم إيه؟! ده أنقذ ابني… إزاي يكون نصاب؟!"
صرخ الوزير في وجه الضابط:
– "لو مش طبيب بجد… كان ابني دلوقتي في القبر. كل العمليات اللي عملها؟ كل النجاحات اللي سجلوها في المراجع؟! هل العالم كله اتخدع؟!"
الأطباء يتهامسون، الممرضات يذرفن الدموع، الضابط متردد، وهو واقف بينهم كأنه غريب عن نفسه، لا يعرف: هل هم يحمونه لأنه سامر فعلًا؟ أم لأن معجزته أجبرتهم أن يؤمنوا بما لا يُصدَّق؟
أما هو، فوقف أمام مرآة غرفة التعقيم، ينظر إلى وجهه.
كان يحادث نفسه:
هل هو سامر؟!
أم عادل الذي كان مجرد ظل؟
وفجأة، ترددت في أذنه كلمات أمه القديمة:
– "يا سامر… ما تسيبنيش زي ما أخوك سابني."
ارتجف، شعر للحظة أنه هو الميت منذ زمن بعيد، وأن الذي يعيش الآن ربما لم يكن سوى الآخر.
الهوية بدت له كقناع يلتصق حتى يصير جلدًا.
الإنسان قد يُدفن وهو حي!!
لكن من يحدد الهوية؟
الدم؟ الورق؟
الذاكرة؟
أم اللحظة التي يواجه فيها ذاته ويقول: "هذا أنا؟!
لم يجب أحد.
ولا حتى هو!!
اقترب من المرآة أكثر…
ورأى وجهًا لم يعرف إن كان سامر… أم عادل.؟!