كثيراً ما كنت أشاهد الست "فريدة" أثناء مرورها من الحارة، بينما ألعب مع الأولاد...
ووقتها، كنت أتوقف عن اللعب، وأنظر لها مندهشاً من جمالها، الذي لم أر له مثيلاً..
وأغيب في سحر عيونها الخضر، وهي تنظر لي في عطف..
وكنت أشعر بالرهبة، إذا تقدمت مني وسألتني عن حالي، أو حال أخوتي..
وأظل طوال الليل – قبل النوم – أفكر فيها..
وأتخيلها في عديد من الصور..
وأتخيل حالي وأنا أقول لها مئات الجمل والكلمات، التي حفظتها من الأفلام التي تعرض على التلفزيون..
وأظل أرتب لكلمات جديدة، أرد بها على تحيتها لي، ولكن حين يحدث ذلك..
أجدني أقف أمامها مدهوشاً، لا أنطق سوى جملة أو جملتين.. وتبتسم من سذاجتي، فتتركني وتمضي..
وكانت الست "فريدة" جارة لنا، بيتها يقع أمام بيتنا..
وكان لها أربعة أبناء، أكبر مني سناً، رغم أنها أصغر من أمي في العمر..
وكانت علاقتها بأمي ليست على ما يرام أبداً..
ودائما، ما كانت أمي تلوي وجهها، حين أخبرها بأن الست "فريدة" قد وقفت لتسلم علي، وإنها حملتني السلام لنا جميعاً..
وتدور بالحديث، متجاهلة الاهتمام بتحيات السيدة، ولا حتى تهتم بالرد عليها..
وكان ذلك أكثر ما يدهشني..
فأمي معروفة بالطيبة والتسامح مع الجميع، ولم تكن لها أبداً علاقة سيئة بأحد..
كل جاراتها يحبونها، ويزورونا، ويقضون في بيتنا الساعات الطوال، يتحدثن مع أمي في كل شيء، وتتحدث أمي معهن كذلك في كل شيء..
وترسلني لهم في المناسبات لأحمل لهن الهدايا..
وأحياناً، نسلف بعضهن النقود، ونستلف منهن..
ولكن مع هذه السيدة، فلا..
لم تكن أمي تحبها، ولا تحب الحديث معها، أو عنها..
وفي مرة سألت أبي عن ذلك...
وكان جالساً في الصالة، يمسك بالجريدة، ويقرأ فيها.. وهتف بي:
- دعك من هذه السيرة!
فقلت في عناد:
- إنني حملت إلى أمي السلام من الست "فريدة"، ومع ذلك لم تبلغني أمي حتى أن أشكرها!
- قلت لك دعك من هذه السيرة..
- يا أبي، أحس أن في الأمر سر.. هل هناك عداوة بين أمي وهذه السيدة؟!
تنهد وقال:
- ليست بين أمك وبينها؟!
- إذن بين من؟!
صمت فترة، وخيل إلي أنه يفكر إن كان يحكي لي أم لا..
واكتسى وجهه بالجدية، وقال:
- سأبلغك بالحكاية كلها.. لأنك ولد لحوح!
فابتسمت، واقتربت منه أكثر، وبدأ يحكي...
* * *
قال أن الست "فريدة" زوجة جارنا الأسطى "كرم" كانت تقيم في قرية من قرى "الشرقية"، تدعى "كفر أبو حطب"..
وأن أختها "خضرة"، كانت هي من تعيش في "القاهرة"، وكانت متزوجة من الأسطى "كرم"!
وهنا اندهشت، وقلت:
- من "خضرة" هذه؟!
فرد:
- كانت ست ولا كل الستات.. طيبة، وأميرة...
وغمز لي، وهو يقول:
- وكانت اجمل من "فريدة" ألف مرة..
فابتسمت له، ونظرت إلى الأرض في خجل..
وأردف:
- وكانت الست "خضرة" تذهب إلى بلدتها في القرية كل بضعة شهور، لتطمئن على أهلها، وتريهم أبناءها الذين أنخبتهم تباعاً من الأسطى "كرم"..
فسألته:
- وأين هم الآن؟
ضحك وقال:
- أين هم؟! إنهم أمامك كل يوم، وكل ساعة..
ففتحت عينيي على آخرهما، وقلت:
- أتعني أن أبناء الست "فريدة" ليسوا أبناءها هي؟!
ابتسم وقال:
- اسمع للآخر.. ولا تكن متسرعا..
فأنصت، وواصل:
- وكانت أختها "فريدة" تشعر بالحسد في كل مرة ترى أختها "خضرة" تزورهم فيها..
- لماذا؟!
- لأنها كانت في كل مرة تلبس جلباباً جديداً، وتبدو على ملامحها الصحة والنعمة.. والعين لا تحب من أحسن منها.. وكانت "فريدة" على قدر جمالها، لا يتقدم إليها العرسان من بلدهم أو من "القاهرة" حيث كانت تتمنى..
- لماذا؟ إنها جميلة!
- ليس الجمال وحده ما يجذب الناس، كانت مشهورة بين الناس بسواد قلبها، وطولة لسانها..
فقلت مستنكراً:
- الست "فريدة" سوداء القلب وطويلة اللسان!
- نعم... لا تخدعك الأشكال ولا المظاهر..
وأكمل حكايته:
- وفي يوم، طلبت والدة "خضرة" من أبنتها أن تقيم أختها "فريدة" في بيتها فترة من الوقت، ربما تعثر على عريس لها.. ووافقت "خضرة".. وأتت إلى "القاهرة"، وأقامت في بيت أختها.. وظلت هناك فترة إلى أن جرى ما جرى...
وصمت..
وبدا عليه التردد أن يكمل حكايته..
فهتفت به:
- اكمل..
- إنني مشغول الآن..
- من فضلك، من فضلك..
وظللت أمسك ذراعه، وأهزها..
قال في وجوم:
- وحدث أن مرضت "خضرة" مرضاً شديداً، أقعدهافي الفراش أسبوع كاملاً تتلوى من الألم.. وبعد الأسبوع ماتت "خضرة".. ولم يمض شهر على موتها، وتزوج الأسطى "كرم" من "فريدة"!
- وما المشكلة في ذلك؟ تزوجت من زوج أختها لتربي ابناء أختها..
ابتسم أبي في مرارة، وهو يقول:
- قال الطبيب أن "خضرة" تعرضت للتسمم..
دق قلبي بعنف، وهتفت:
- هل تقصد أن....؟
ولم استطع أن أكمل، لكنه اومأ برأسه، وقال:
- نعم..
ثم عاد للجريدة..
ظللت في مكاني لا أقوى على الحركة..
انتظر أي كلمة أن تزيل ما حدث لي، ولكن أبي لم ينطق..
مرت من أمامنا أمي، وهتفت بي:
- مالك قاعد كدة؟ تعالى ساعدني في المطبخ..
قمت، وأشعر أن قلبي يسقط مني إلى الأرض..
وأمسك أبي ذراعي، فارتجفت مرة واحدة..
طقطق بلسانه، وبدا أنه نادماً على إخباري بالأمر..
قال:
- لا تكرر الحكاية لأحد.. ولا تخبر أمك إنك عرفت، فتقلب عليها المواجع.. كانت المرحومة أعز صديقة لها.. وكانت تزور بيتنا قبل أن تجيء بعشر سنين كاملة وتجلس مع أمك بالساعات..
فهززت رأسي أنني سأفعل، ثم مضيت من أمامه، والدهشة لا تزال تسيطر على رأسي، ليست الدهشة وحدها، بل الخوف والحزن والغضب...
ومن يومها لم أعد أنظر للست فريدة أبداً!
ووقتها، كنت أتوقف عن اللعب، وأنظر لها مندهشاً من جمالها، الذي لم أر له مثيلاً..
وأغيب في سحر عيونها الخضر، وهي تنظر لي في عطف..
وكنت أشعر بالرهبة، إذا تقدمت مني وسألتني عن حالي، أو حال أخوتي..
وأظل طوال الليل – قبل النوم – أفكر فيها..
وأتخيلها في عديد من الصور..
وأتخيل حالي وأنا أقول لها مئات الجمل والكلمات، التي حفظتها من الأفلام التي تعرض على التلفزيون..
وأظل أرتب لكلمات جديدة، أرد بها على تحيتها لي، ولكن حين يحدث ذلك..
أجدني أقف أمامها مدهوشاً، لا أنطق سوى جملة أو جملتين.. وتبتسم من سذاجتي، فتتركني وتمضي..
وكانت الست "فريدة" جارة لنا، بيتها يقع أمام بيتنا..
وكان لها أربعة أبناء، أكبر مني سناً، رغم أنها أصغر من أمي في العمر..
وكانت علاقتها بأمي ليست على ما يرام أبداً..
ودائما، ما كانت أمي تلوي وجهها، حين أخبرها بأن الست "فريدة" قد وقفت لتسلم علي، وإنها حملتني السلام لنا جميعاً..
وتدور بالحديث، متجاهلة الاهتمام بتحيات السيدة، ولا حتى تهتم بالرد عليها..
وكان ذلك أكثر ما يدهشني..
فأمي معروفة بالطيبة والتسامح مع الجميع، ولم تكن لها أبداً علاقة سيئة بأحد..
كل جاراتها يحبونها، ويزورونا، ويقضون في بيتنا الساعات الطوال، يتحدثن مع أمي في كل شيء، وتتحدث أمي معهن كذلك في كل شيء..
وترسلني لهم في المناسبات لأحمل لهن الهدايا..
وأحياناً، نسلف بعضهن النقود، ونستلف منهن..
ولكن مع هذه السيدة، فلا..
لم تكن أمي تحبها، ولا تحب الحديث معها، أو عنها..
وفي مرة سألت أبي عن ذلك...
وكان جالساً في الصالة، يمسك بالجريدة، ويقرأ فيها.. وهتف بي:
- دعك من هذه السيرة!
فقلت في عناد:
- إنني حملت إلى أمي السلام من الست "فريدة"، ومع ذلك لم تبلغني أمي حتى أن أشكرها!
- قلت لك دعك من هذه السيرة..
- يا أبي، أحس أن في الأمر سر.. هل هناك عداوة بين أمي وهذه السيدة؟!
تنهد وقال:
- ليست بين أمك وبينها؟!
- إذن بين من؟!
صمت فترة، وخيل إلي أنه يفكر إن كان يحكي لي أم لا..
واكتسى وجهه بالجدية، وقال:
- سأبلغك بالحكاية كلها.. لأنك ولد لحوح!
فابتسمت، واقتربت منه أكثر، وبدأ يحكي...
* * *
قال أن الست "فريدة" زوجة جارنا الأسطى "كرم" كانت تقيم في قرية من قرى "الشرقية"، تدعى "كفر أبو حطب"..
وأن أختها "خضرة"، كانت هي من تعيش في "القاهرة"، وكانت متزوجة من الأسطى "كرم"!
وهنا اندهشت، وقلت:
- من "خضرة" هذه؟!
فرد:
- كانت ست ولا كل الستات.. طيبة، وأميرة...
وغمز لي، وهو يقول:
- وكانت اجمل من "فريدة" ألف مرة..
فابتسمت له، ونظرت إلى الأرض في خجل..
وأردف:
- وكانت الست "خضرة" تذهب إلى بلدتها في القرية كل بضعة شهور، لتطمئن على أهلها، وتريهم أبناءها الذين أنخبتهم تباعاً من الأسطى "كرم"..
فسألته:
- وأين هم الآن؟
ضحك وقال:
- أين هم؟! إنهم أمامك كل يوم، وكل ساعة..
ففتحت عينيي على آخرهما، وقلت:
- أتعني أن أبناء الست "فريدة" ليسوا أبناءها هي؟!
ابتسم وقال:
- اسمع للآخر.. ولا تكن متسرعا..
فأنصت، وواصل:
- وكانت أختها "فريدة" تشعر بالحسد في كل مرة ترى أختها "خضرة" تزورهم فيها..
- لماذا؟!
- لأنها كانت في كل مرة تلبس جلباباً جديداً، وتبدو على ملامحها الصحة والنعمة.. والعين لا تحب من أحسن منها.. وكانت "فريدة" على قدر جمالها، لا يتقدم إليها العرسان من بلدهم أو من "القاهرة" حيث كانت تتمنى..
- لماذا؟ إنها جميلة!
- ليس الجمال وحده ما يجذب الناس، كانت مشهورة بين الناس بسواد قلبها، وطولة لسانها..
فقلت مستنكراً:
- الست "فريدة" سوداء القلب وطويلة اللسان!
- نعم... لا تخدعك الأشكال ولا المظاهر..
وأكمل حكايته:
- وفي يوم، طلبت والدة "خضرة" من أبنتها أن تقيم أختها "فريدة" في بيتها فترة من الوقت، ربما تعثر على عريس لها.. ووافقت "خضرة".. وأتت إلى "القاهرة"، وأقامت في بيت أختها.. وظلت هناك فترة إلى أن جرى ما جرى...
وصمت..
وبدا عليه التردد أن يكمل حكايته..
فهتفت به:
- اكمل..
- إنني مشغول الآن..
- من فضلك، من فضلك..
وظللت أمسك ذراعه، وأهزها..
قال في وجوم:
- وحدث أن مرضت "خضرة" مرضاً شديداً، أقعدهافي الفراش أسبوع كاملاً تتلوى من الألم.. وبعد الأسبوع ماتت "خضرة".. ولم يمض شهر على موتها، وتزوج الأسطى "كرم" من "فريدة"!
- وما المشكلة في ذلك؟ تزوجت من زوج أختها لتربي ابناء أختها..
ابتسم أبي في مرارة، وهو يقول:
- قال الطبيب أن "خضرة" تعرضت للتسمم..
دق قلبي بعنف، وهتفت:
- هل تقصد أن....؟
ولم استطع أن أكمل، لكنه اومأ برأسه، وقال:
- نعم..
ثم عاد للجريدة..
ظللت في مكاني لا أقوى على الحركة..
انتظر أي كلمة أن تزيل ما حدث لي، ولكن أبي لم ينطق..
مرت من أمامنا أمي، وهتفت بي:
- مالك قاعد كدة؟ تعالى ساعدني في المطبخ..
قمت، وأشعر أن قلبي يسقط مني إلى الأرض..
وأمسك أبي ذراعي، فارتجفت مرة واحدة..
طقطق بلسانه، وبدا أنه نادماً على إخباري بالأمر..
قال:
- لا تكرر الحكاية لأحد.. ولا تخبر أمك إنك عرفت، فتقلب عليها المواجع.. كانت المرحومة أعز صديقة لها.. وكانت تزور بيتنا قبل أن تجيء بعشر سنين كاملة وتجلس مع أمك بالساعات..
فهززت رأسي أنني سأفعل، ثم مضيت من أمامه، والدهشة لا تزال تسيطر على رأسي، ليست الدهشة وحدها، بل الخوف والحزن والغضب...
ومن يومها لم أعد أنظر للست فريدة أبداً!