كانت ليلى ترتل آيات القرآن بصوت خافت، كأنها تحاول صد لعنة خفية تلوح فوق البيت.
طفلها الذي غاب ما زال طيفه حاضرًا، يعيد إليها موجات الألم ويزرع في روحها وهجًا من الحنين المستحيل.
أما زوجها، دكتور نديم حاتم، فقد انهار بعد تلك اللحظة المشؤومة، لم يعد يُنظر إليه كعالم فذ، بل كمجنون محاصر في متاهة زمنية.
جلس قبالته رامي فؤاد، طبيبه النفسي وصديقه منذ الطفولة، محاولًا إنقاذ عالم فقد توازنه، أو مريض يظن أنه ما زال عالمًا، ومع كل كلمة من كلمات دكتور نديم، كان يزداد ذهولًا: كيف يمكن لعقل بشري أن يظل صامدًا أمام كل هذه الهلوسة؟
و كأن الجنون بدأ ينتقل إليه هو نفسه، ويتركه متأرجحًا بين الواجب والدهشة.
قال رامي بصوت متذبذب:
الجميع يقول إنك مختل… الجامعة نفسها قالت هذا.
ثم همس في سره: أحيانًا أخشى أن أكون أنا المختل إذا صدّقتك.
ابتسم دكتور نديم ابتسامة حزينة :
رامي… لقد فقدت كل شيء، لكن هناك طريقة لرؤية ما مضى وما قد يأتي.
اقترب رامي متعجبًا :
أنت تتحدث عن المستحيل.
ضحك نديم بسخرية حزينة، عيناه تتوهجان :
ليس مستحيلًا… نظرية آينشتاين تقول إن الزمن نسبي، ليس خطًا مستقيمًا يمر من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، بل نسيج متداخل، يشبه شبكة يمر خلالها كل شيء بسرعة الضوء.
إذا اخترقنا هذه الشبكة، يمكن للمرء أن يرى اللحظة الماضية، ويمكن أن يتذوق المستقبل.
الزمن ليس قيدًا، بل بحرًا… وكل موجة منه تحمل ذكرى، وكل تيار يحمل ما لم يُعاش بعد.
ليلى، دموعها تنساب على وجنتيها، وعيناها تلمعان بين الخوف والوله، عقلها يرفض تصديق فكرة أن زوجها يمكنه أن يستدعي طفلها، بينما قلبها يئن وهو يتأرجح بين الأمل واليأس.
ابتسم نديم، بريق الجنون والحزن يمتزج في عينيه:
سوف أستحضر ما حدث… أو ربما ما سيحدث… لا يهمني أن تصدقوني، أو حتى لا يصدقني أي أحد، ما يعنيني فقط هو أنني أنا أؤمن بذلك، لكن القواعد صارمة، وأي خطوة خاطئة قد تغيّر مجرى اللحظة إلى الأبد.
قال رامي بصوت كأنه يرتجف من الداخل:
نديم… هل تدرك ما تقول؟ نحن أمام حدود العقل… أمام الحقيقة التي ربما لا يتحملها أي أحد... أرجوك توقف.
لكن نديم لم يتوقف.
يده تتلمس لوحة المفاتيح، عيناه تبحثان عن أي تفصيل قد يعيد له ابنه ولو للحظة واحدة. كل لحظة تمضي تزيد من وله ليلى، وتجعل رامي أسيرًا بين الدهشة والخوف والقلق على صديقه، الذي يبدو وكأنه على حافة الانفجار بين العبقرية والجنون المطلق.
ليلى قالت بصوت يقطر حزنًا:
ألا يكفيك يا نديم ما قد حدث لنا؟ … فلا تُصر على أن تأخذ ما تبقّى من عقلنا.
رفع نديم رأسه، عيناه تلمعان بالدموع المكبوتة:
لا، لم يأخذه الموت مني بعد، أستطيع أن أراه، أن أستدعيه، أن أسمع صوته ولو للحظة. هذه الأجهزة ليست وهمًا، هي بوابة… باب عبر الزمن.
أصابع ليلى ترتجف على صفحات المصحف، وصوت الطفل يتردد في ذاكرتها: ضحكته، يده التي التصقت بيدها آخر مرة، ثم الفقد الأبدي.
رامي اقترب، قال في حزم:
دكتور نديم… أنا أعرف وجعك… رأيت الدماء على الأسفلت، ورأيتك تسقط كأنك دُفنت حيًا، ما تحاول فعله الآن خطر، ليس فقط على عقلك بل على روح ليلى زوجتك.
لكن دكتور نديم صاح بجنون:
إذا كان عليّ أن أحترق لأراه مرة أخرى، فليحترق جسدي!
رفع رأسه بعينين متقدتين وقال:
أتدرون أنا لا أستطيع أن أتوقف… لا أقدر على ذلك.
ثم بصوت يقطر ألمًا:
إن كل ما أفعله هو محاولة لاستعادة لحظة واحدة أراه فيها حيًا. لحظة واحدة فقط!
قال رامي في قوة:
ولكنك تتحدى القدر، الزمن كتابًا مختومًا.
ولكن نديم همس بإصرار:
إن كان الزمن كتابًا مختومًا… فأنا أبحث عن الهامش.
رامي بهدوء:
الزمن لا يواجه، لا يُكسر، علينا أن نتحمل، أن نمضي… نستمر… نتقبل أقدارنا، وننتعايش مع الواقع، مع المستقبل، إلى أن يأتي دورنا، وتنتهي رحلتنا، هذه هي سنة الحياة… النسيان هو علاج لكل شيء… ولا أحد يواجه الأقدار.
ليلى رفعت رأسها عن المصحف قالت في يأس:
أنت تلهث خلف السراب…
ابتسم دكتور نديم وهو يشد الأسلاك :
الفاتيكان يملك آلة تُظهر مشاهد من حياة المسيح… فلماذا يُسمح لهم بالرؤية ويُحرم علينا البحث؟
اعترض رامي وهو يضع يده على كتف نديم:
ربما تكون على حق، ولكن التجربة قد تفتح أبوابًا لا نستطيع أن نغلقها، نحن لسنا مستعدين لرؤية ما وراء الستار. قد نهلك جميعًا… على فرض أنك صادق في ما تقوله، ولكن ليس كل ما هو حقيقي يستطيع تحمله العقل البشري… يا صديقي… نحن لنا قدرات وحدود لا يسمح لنا بتجاوزها.
لكن نديم لم يُصغِ. ضغط الزر الأخير، اهتز المكان، وانفجر ضوء أبيض أعمى العيون.
تجسّد رجل غريب وسط الغرفة، ملامحه بين الوضوح والغياب.
صاح بصوت متقطع:
أيها الحمقى… أنتم… مزقتم الجدار.
شهقت ليلى والتصقت بزوجها:
من هذا يا نديم؟
رامي يلهث:
من أنت؟
قال الغريب :
أنا ساهر، مبعوث من زمنكم القادم، وجودي هنا خلل كبير، لا تستطيعون تحمل عواقبه… كل ما تسعون إليه مكتوب سلفًا، غدًا سترونه كما هو، لكنكم لن تغيّروا شيئًا… وإن حاولتم… سيُعاد الزمن ليُمحى أثرُكم.
ردت ليلى بعصبية:
إن كان مكتوبًا، فلماذا أُرسلت إلينا؟
قال :
لم أُرسل… بل استُدعيت. كلما اخترق الإنسان سرًا، يعيد المستقبل ترتيب اللحظة حتى لا يتأثر ميزانه… أنتم مجرد ظلال في معادلة كبرى.
ساد صمت ثقيل، صاح رامي :
نديم… أوقف التجربة قبل أن نضيع جميعًا.
لكن نديم لم يعد يسمع سوى نشوة الانتصار.
عيناه تتوهجان :
أرأيتم؟ لم أكن مجنونًا، جاءني الغد بنفسه! هذا هو البرهان… هذا هو الباب.
اقترب من ساهر كما يحدق طفل في معجزة:
دلّني… قل لي ما وراء الزمن؟ هل ابني هناك؟ هل يمكنني أن أراه؟
ارتدّ ساهر خطوة، صوته يتشقق :
توقف! لا يحق لك أن تعرف أكثر مما قدر لك… أنت تكسر توازن اللحظة. أنت لم تفتح بابًا بل مرآة.
لكن نديم تقدّم أكثر، يمد يده:
خذني معك، أو افتح لي نافذة أخرى! إن كان الزمن كتابًا، فدعني أقرأ سطرًا.
قالت ليلى، والدموع تغمر وجهها :
نديم! سيهلكك! عد إلى وعيك!
صرخ رامي محاولًا جذبه :
ستقتلنا جميعًا!
لكن نديم دفعه بجنون:
كل حياتي من أجل هذه اللحظة! لن أغلق… بل سأفتح أكثر!
ومضت الشاشة فجأة، ارتسمت خيوط من ضوء أزرق كثيف. تداخلت الأرقام مع صور مبهمة: طفل يلوّح بيده، ابتسامة ناقصة، بين الحياة والموت.
ليلى شهقت :
هو… إنه هو!
الصوت المضطرب تردد:
أمّي… أبي…
ثم انقطع كأن الزمن ابتلع الصدى.
نديم انهار على ركبتيه:
لحظة أخرى فقط! أعطوني لحظة واحدة!
ليلى ظلت تحدّق في الفراغ، ممزقة بين التصديق والخوف، قلبها يرفض صدق الطيف ويخشاه في الوقت ذاته.
الأجهزة أطلقت إنذارًا حادًا، الأضواء تراقصت كأنها تحتضر.
نديم مد يده نحو الفراغ، والدموع تحرق وجهه. ليلى أمسكت يده، تشده نحو الأرض.
رامي أدرك أنه فقد حياده، صار أسيرًا لنفس المأساة منذ موت الطفل.
ارتج المكان، وتوهج.
رامي أمسك بكتفي نديم، هزه بشدة:
لا تعذب نفسك أكثر… لم يكن سوى طيف، انعكاس ذاكرة، صورة من عقل جريح.
تبعثر الضوء. سقط على الأرض جهاز معدني غامض، يشبه العين، يرمش، وكأنه يراقبهم. انحنى نديم والتقطه بحذر.
صاحت ليلى :
هل أغلقنا الباب… أم فتحناه أكثر؟
في تلك اللحظة شعر رامي أنه هو المريض، وأن نديم صار طبيبه.
رفع نديم عينيه، وكأنه يواجه غد يتربص خلف الستار، ابتسم في نشوة.
عادت ليلى تقرأ من المصحف نفس الصفحة، نفس الآيات، كأنها تعيش مع كل حرف انعكاس الألم والغيب.
قالت والدمع يغمر عينيها:
إذا كان كل شيء مكتوبًا، فلماذا أعطانا الله العقل؟ لماذا تفتح المعادلات أمامنا إذا كنا محكومين بالموت؟
قال رامي :
العقل مرآة للقدر… لا مفتاح لتغييره.
ثم همس بتعجب، موجّهًا كلماته إلى الدكتور نديم :
ماذا سيقول الناس عني؟
أني طبيب نفسي، وبدل أن أعالجك… أنت الذي أصبتني بالجنون؟!
لكن الدكتور نديم لم يجبه؛ فقط ظل قابضًا على العين المعدنية التي كانت تومض وترمش بلا توقف.
طفلها الذي غاب ما زال طيفه حاضرًا، يعيد إليها موجات الألم ويزرع في روحها وهجًا من الحنين المستحيل.
أما زوجها، دكتور نديم حاتم، فقد انهار بعد تلك اللحظة المشؤومة، لم يعد يُنظر إليه كعالم فذ، بل كمجنون محاصر في متاهة زمنية.
جلس قبالته رامي فؤاد، طبيبه النفسي وصديقه منذ الطفولة، محاولًا إنقاذ عالم فقد توازنه، أو مريض يظن أنه ما زال عالمًا، ومع كل كلمة من كلمات دكتور نديم، كان يزداد ذهولًا: كيف يمكن لعقل بشري أن يظل صامدًا أمام كل هذه الهلوسة؟
و كأن الجنون بدأ ينتقل إليه هو نفسه، ويتركه متأرجحًا بين الواجب والدهشة.
قال رامي بصوت متذبذب:
الجميع يقول إنك مختل… الجامعة نفسها قالت هذا.
ثم همس في سره: أحيانًا أخشى أن أكون أنا المختل إذا صدّقتك.
ابتسم دكتور نديم ابتسامة حزينة :
رامي… لقد فقدت كل شيء، لكن هناك طريقة لرؤية ما مضى وما قد يأتي.
اقترب رامي متعجبًا :
أنت تتحدث عن المستحيل.
ضحك نديم بسخرية حزينة، عيناه تتوهجان :
ليس مستحيلًا… نظرية آينشتاين تقول إن الزمن نسبي، ليس خطًا مستقيمًا يمر من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، بل نسيج متداخل، يشبه شبكة يمر خلالها كل شيء بسرعة الضوء.
إذا اخترقنا هذه الشبكة، يمكن للمرء أن يرى اللحظة الماضية، ويمكن أن يتذوق المستقبل.
الزمن ليس قيدًا، بل بحرًا… وكل موجة منه تحمل ذكرى، وكل تيار يحمل ما لم يُعاش بعد.
ليلى، دموعها تنساب على وجنتيها، وعيناها تلمعان بين الخوف والوله، عقلها يرفض تصديق فكرة أن زوجها يمكنه أن يستدعي طفلها، بينما قلبها يئن وهو يتأرجح بين الأمل واليأس.
ابتسم نديم، بريق الجنون والحزن يمتزج في عينيه:
سوف أستحضر ما حدث… أو ربما ما سيحدث… لا يهمني أن تصدقوني، أو حتى لا يصدقني أي أحد، ما يعنيني فقط هو أنني أنا أؤمن بذلك، لكن القواعد صارمة، وأي خطوة خاطئة قد تغيّر مجرى اللحظة إلى الأبد.
قال رامي بصوت كأنه يرتجف من الداخل:
نديم… هل تدرك ما تقول؟ نحن أمام حدود العقل… أمام الحقيقة التي ربما لا يتحملها أي أحد... أرجوك توقف.
لكن نديم لم يتوقف.
يده تتلمس لوحة المفاتيح، عيناه تبحثان عن أي تفصيل قد يعيد له ابنه ولو للحظة واحدة. كل لحظة تمضي تزيد من وله ليلى، وتجعل رامي أسيرًا بين الدهشة والخوف والقلق على صديقه، الذي يبدو وكأنه على حافة الانفجار بين العبقرية والجنون المطلق.
ليلى قالت بصوت يقطر حزنًا:
ألا يكفيك يا نديم ما قد حدث لنا؟ … فلا تُصر على أن تأخذ ما تبقّى من عقلنا.
رفع نديم رأسه، عيناه تلمعان بالدموع المكبوتة:
لا، لم يأخذه الموت مني بعد، أستطيع أن أراه، أن أستدعيه، أن أسمع صوته ولو للحظة. هذه الأجهزة ليست وهمًا، هي بوابة… باب عبر الزمن.
أصابع ليلى ترتجف على صفحات المصحف، وصوت الطفل يتردد في ذاكرتها: ضحكته، يده التي التصقت بيدها آخر مرة، ثم الفقد الأبدي.
رامي اقترب، قال في حزم:
دكتور نديم… أنا أعرف وجعك… رأيت الدماء على الأسفلت، ورأيتك تسقط كأنك دُفنت حيًا، ما تحاول فعله الآن خطر، ليس فقط على عقلك بل على روح ليلى زوجتك.
لكن دكتور نديم صاح بجنون:
إذا كان عليّ أن أحترق لأراه مرة أخرى، فليحترق جسدي!
رفع رأسه بعينين متقدتين وقال:
أتدرون أنا لا أستطيع أن أتوقف… لا أقدر على ذلك.
ثم بصوت يقطر ألمًا:
إن كل ما أفعله هو محاولة لاستعادة لحظة واحدة أراه فيها حيًا. لحظة واحدة فقط!
قال رامي في قوة:
ولكنك تتحدى القدر، الزمن كتابًا مختومًا.
ولكن نديم همس بإصرار:
إن كان الزمن كتابًا مختومًا… فأنا أبحث عن الهامش.
رامي بهدوء:
الزمن لا يواجه، لا يُكسر، علينا أن نتحمل، أن نمضي… نستمر… نتقبل أقدارنا، وننتعايش مع الواقع، مع المستقبل، إلى أن يأتي دورنا، وتنتهي رحلتنا، هذه هي سنة الحياة… النسيان هو علاج لكل شيء… ولا أحد يواجه الأقدار.
ليلى رفعت رأسها عن المصحف قالت في يأس:
أنت تلهث خلف السراب…
ابتسم دكتور نديم وهو يشد الأسلاك :
الفاتيكان يملك آلة تُظهر مشاهد من حياة المسيح… فلماذا يُسمح لهم بالرؤية ويُحرم علينا البحث؟
اعترض رامي وهو يضع يده على كتف نديم:
ربما تكون على حق، ولكن التجربة قد تفتح أبوابًا لا نستطيع أن نغلقها، نحن لسنا مستعدين لرؤية ما وراء الستار. قد نهلك جميعًا… على فرض أنك صادق في ما تقوله، ولكن ليس كل ما هو حقيقي يستطيع تحمله العقل البشري… يا صديقي… نحن لنا قدرات وحدود لا يسمح لنا بتجاوزها.
لكن نديم لم يُصغِ. ضغط الزر الأخير، اهتز المكان، وانفجر ضوء أبيض أعمى العيون.
تجسّد رجل غريب وسط الغرفة، ملامحه بين الوضوح والغياب.
صاح بصوت متقطع:
أيها الحمقى… أنتم… مزقتم الجدار.
شهقت ليلى والتصقت بزوجها:
من هذا يا نديم؟
رامي يلهث:
من أنت؟
قال الغريب :
أنا ساهر، مبعوث من زمنكم القادم، وجودي هنا خلل كبير، لا تستطيعون تحمل عواقبه… كل ما تسعون إليه مكتوب سلفًا، غدًا سترونه كما هو، لكنكم لن تغيّروا شيئًا… وإن حاولتم… سيُعاد الزمن ليُمحى أثرُكم.
ردت ليلى بعصبية:
إن كان مكتوبًا، فلماذا أُرسلت إلينا؟
قال :
لم أُرسل… بل استُدعيت. كلما اخترق الإنسان سرًا، يعيد المستقبل ترتيب اللحظة حتى لا يتأثر ميزانه… أنتم مجرد ظلال في معادلة كبرى.
ساد صمت ثقيل، صاح رامي :
نديم… أوقف التجربة قبل أن نضيع جميعًا.
لكن نديم لم يعد يسمع سوى نشوة الانتصار.
عيناه تتوهجان :
أرأيتم؟ لم أكن مجنونًا، جاءني الغد بنفسه! هذا هو البرهان… هذا هو الباب.
اقترب من ساهر كما يحدق طفل في معجزة:
دلّني… قل لي ما وراء الزمن؟ هل ابني هناك؟ هل يمكنني أن أراه؟
ارتدّ ساهر خطوة، صوته يتشقق :
توقف! لا يحق لك أن تعرف أكثر مما قدر لك… أنت تكسر توازن اللحظة. أنت لم تفتح بابًا بل مرآة.
لكن نديم تقدّم أكثر، يمد يده:
خذني معك، أو افتح لي نافذة أخرى! إن كان الزمن كتابًا، فدعني أقرأ سطرًا.
قالت ليلى، والدموع تغمر وجهها :
نديم! سيهلكك! عد إلى وعيك!
صرخ رامي محاولًا جذبه :
ستقتلنا جميعًا!
لكن نديم دفعه بجنون:
كل حياتي من أجل هذه اللحظة! لن أغلق… بل سأفتح أكثر!
ومضت الشاشة فجأة، ارتسمت خيوط من ضوء أزرق كثيف. تداخلت الأرقام مع صور مبهمة: طفل يلوّح بيده، ابتسامة ناقصة، بين الحياة والموت.
ليلى شهقت :
هو… إنه هو!
الصوت المضطرب تردد:
أمّي… أبي…
ثم انقطع كأن الزمن ابتلع الصدى.
نديم انهار على ركبتيه:
لحظة أخرى فقط! أعطوني لحظة واحدة!
ليلى ظلت تحدّق في الفراغ، ممزقة بين التصديق والخوف، قلبها يرفض صدق الطيف ويخشاه في الوقت ذاته.
الأجهزة أطلقت إنذارًا حادًا، الأضواء تراقصت كأنها تحتضر.
نديم مد يده نحو الفراغ، والدموع تحرق وجهه. ليلى أمسكت يده، تشده نحو الأرض.
رامي أدرك أنه فقد حياده، صار أسيرًا لنفس المأساة منذ موت الطفل.
ارتج المكان، وتوهج.
رامي أمسك بكتفي نديم، هزه بشدة:
لا تعذب نفسك أكثر… لم يكن سوى طيف، انعكاس ذاكرة، صورة من عقل جريح.
تبعثر الضوء. سقط على الأرض جهاز معدني غامض، يشبه العين، يرمش، وكأنه يراقبهم. انحنى نديم والتقطه بحذر.
صاحت ليلى :
هل أغلقنا الباب… أم فتحناه أكثر؟
في تلك اللحظة شعر رامي أنه هو المريض، وأن نديم صار طبيبه.
رفع نديم عينيه، وكأنه يواجه غد يتربص خلف الستار، ابتسم في نشوة.
عادت ليلى تقرأ من المصحف نفس الصفحة، نفس الآيات، كأنها تعيش مع كل حرف انعكاس الألم والغيب.
قالت والدمع يغمر عينيها:
إذا كان كل شيء مكتوبًا، فلماذا أعطانا الله العقل؟ لماذا تفتح المعادلات أمامنا إذا كنا محكومين بالموت؟
قال رامي :
العقل مرآة للقدر… لا مفتاح لتغييره.
ثم همس بتعجب، موجّهًا كلماته إلى الدكتور نديم :
ماذا سيقول الناس عني؟
أني طبيب نفسي، وبدل أن أعالجك… أنت الذي أصبتني بالجنون؟!
لكن الدكتور نديم لم يجبه؛ فقط ظل قابضًا على العين المعدنية التي كانت تومض وترمش بلا توقف.