د. حسين عبدالبصير - بائع الورد... قصة

كان صباح شارع فؤاد العريق مفعمًا برائحة القهوة المنبعثة من المقاهي القديمة، وأصوات السيارات تتداخل مع وقع خطوات المارة على الأرصفة المرصوفة بالحجر. تحت أحد أعمدة الإنارة العتيقة، وقف يوسف بجانب عربته الخشبية الصغيرة المليئة بورد بلدي وياسمين وياسمينة. كان يلمس كل زهرة كما لو كان يعتذر لها عن يوم قاسٍ قادم.

يوسف يعشق الورد لأنه يعيد إليه وجه أمه، تلك السيدة التي كانت تزرع شجيرات الياسمين على شرفة بيتهم القديم وتقول له دائمًا:
"الورد يا يوسف مش بس ريحة حلوة… الورد قلب أبيض بيطرد الحزن."

لكن هذا الصباح، كان الحزن نفسه يسكن عينيه.
اقتربت منه نادية، زبونته الدائمة، شابة رقيقة الملامح تحمل في يدها دفتراً ترسم فيه أحيانًا مشاهد الشارع، وقالت بابتسامتها المعهودة:
– مالك يا يوسف؟ فين ابتسامتك اللي بتخليني أشتري ورد حتى لو مش محتاجة؟

تنهد يوسف بعمق وقال:
– المحافظة قررت تزيل كل الباعة من الشارع. قالوا إحنا بنشوّه جمال المكان. بس… هو الورد يشوه الجمال؟

تجمدت ابتسامة نادية للحظة، ثم نظرت إلى عربته وكأنها تراها لأول مرة. شعرت أن يوسف ليس مجرد بائع ورد، بل روح الشارع نفسه. في مساء اليوم نفسه، كتبت على حسابها:
"الورد لا يشوه الجمال، بل يذكّرنا أن الجمال حيّ."

انتشرت دعوتها كالنار في الهشيم. في اليوم التالي، امتلأ شارع فؤاد بالناس يحملون باقات من الورود الحمراء والبيضاء ويهتفون:
– يوسف رمز الجمال في شارعنا!

المشهد كان مهيبًا: الألوان تتناثر في كل مكان، أصوات الصحفيين، فلاشات الكاميرات، ضحكات الأطفال، والورد يتحول إلى نهر من الأمل.

وصل الخبر إلى المسؤولين، وبعد أيام قليلة تلقى يوسف دعوة من صاحب محل عريق لبيع الورود في نفس الشارع، يعرض عليه شراكة ومكانًا ثابتًا. وقف يوسف أمام عربته للمرة الأخيرة، يلمس الخشب بيد مرتجفة، والدموع تلمع بين الورد. همس لنفسه:
– الناس اللي بتحب الورد، قلوبها عمرها ما تتغير.

دخل يوسف محله الجديد، والابتسامة عادت إلى وجهه، وكأن الورد قد أزهَرَ بداخله من جديد. أدرك أن عربته لم تكن مجرد مصدر رزق، بل بذرة غيرت شارعًا بأكمله، وربما مدينة كاملة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى