وقفت "ليلى" مع جارتها "سامية" عند السوق القريب من الحارة التي تسكنان فيها، تتحدثان بود ومعزة...
وأشارت إلى بطن صاحبتها الممتلئ، وسألتها:
- كم يتبقى لك؟
- شهران..
- سيمران كالهواء.. لكن لا تركزي في الألم..
بدا على وجه "سامية" الوجع، وهي تقول:
- إنه.. أقصد إنها شقية للغاية.. تضرب بطني وظهري كل دقيقة..
ابتسمت "ليلى" وقالت لها إنها ستنسى كل ما تعانيه حين تسمع صرخة مولودها لأول مرة.. وإن البكرية دائماً صعبة..
فدعت "سامية" بحرقة:
- يا رب..
وفجأة!
ظهر موتوسيكل ينطلق بسرعة كبيرة..
وكان يركبه شابان..
خطف أحدهما الحقيبة الجلدية السوداء التي كانت تحملها "ليلى"..
وانطلقا بها في لمح البصر!
ظلت "ليلى" ذاهلة للحظات.. ثم أطلقت صرخة استغاثة..
التفت الناس حولها..
أخذت تشير لهم نحو الطريق الذي انطلق منه الموتوسيكل والحرامية الذين يركبونه..
انطلق أثره ببطء بعض الناس..
شعرت "ليلى" بغيظ أكبر وقالت في سرها:
- ضاعت الحقيبة وانتهى الأمر..
تذكرت الأشياء التي في الحقيبة، فغلى دمها أكثر وأكثر؛ فهي تحتوي.. بخلاف النقود.. على مستنداتها مثل بطاقة الرقم القومي.. وبطاقتها الوظيفية في الشركة التي تعمل بها.. وكارنيه النقابة.. فهي عضوة في نقابة المحامين منذ سبع سنوات.. رغم أنها لا تعمل في مجال المحاماة وتعمل بائعة في متجر للحلويات بوسط البلد.. لكنها تحتفظ بها للضرورة ولزوم المعاش بعد سنوات..
تذكرت كل هذا.. فعلا ضغط دمها.. وأمسكت نفسها بصعوبة عن البكاء..
وفجأة أيضًا!
سمعت صرخة وشعرت بيد تقبض على مرفقها بقوة..
كانت "سامية" تصرخ وتجز على أسنانها من الألم..
بدا أن ساعة الولادة قد حانت..
التفت النساء حول "سامية" التي وقعت على الأرض تتوجع..
ونسيت "ليلى" ما كانت فيه من ألم بسبب فقدان حاجاتها الغالية..
وانحنت على صاحبتها تتفحصها..
حملتها مع النساء إلى إحدى الدكاكين القريبة.. وأخرجن منه صاحبه..
وذهبت إحداهن إلى المستشفى القريب لتحضر طبيبًا..
خرجت امرأة عجوز إلى صاحب الدكان الذي كان يتوقف مع بعض الرجال يمزحون بجوار دكانه.. وطلبت منه أن يحضر بستلة ماء ساخن..
نظر لها الرجل بدهشة.. ثم تحرك من أمامها وذهب متوجهاً إلى بيته القريب من الدكان..
كانت "سامية" لا تزال على صراخها.. و"ليلى" تمسك بيدها محاولة تهوين ألم الوضع..
سألتها:
- ألم يحضروا لك ما فقد منك؟
- لا.. المهم أن تكوني أنتِ بخير.. تحملي..
جزت "سامية" على شفتيها أكثر..
وظلت تهز رأسها بعنف كأنها ستضرب بها الأرض..
أحضرت إحدى الواقفات إيشارباً نظيفاً وضعته بين أسنان "سامية".. فأخذت تعضه.. نزل الدمع من عينيها.. فتألمت لها صاحبتها..
قالت "ليلى" لنفسها إن كل هذا الحزن سيتحول إلى فرح حين تحمل "سامية" طفلها بين يديها.. ثم فكرت في حظها هي..
كانت قد تخطت الثلاثين ولم تتزوج!
لم يتقدم أحد لخطبتها قط.. وكانت تشعر بأنها ليست جميلة ولا تعجب الرجال.. لذلك لا يتقدم أحدهم إليها.. شعرت بأنها لن ترى مثل هذه اللحظة أبدًا!
كانت تشعر بتعاسة طوال الوقت.. تضاعفت اليوم بهذه المواقف المؤلمة التي بدأت معها منذ الصباح..
تشاجرت في العمل وتركته مقهورة تقسم بينها وبين نفسها ألا تعود إليه.. وسرقت حاجاتها منذ قليل.. لكنها مع كل ذلك تحتفظ بإيمان وصبر نادرين في هذا الزمان..
تنهدت بحسرة على حظها.. وقالت بصوت هامس:
- الحمد لله..
عاد صاحب الدكان ببستلة كبيرة ممتلئة بماء ساخن يتصاعد بخاره من فوهتها، وظهرت خلفه امرأته ترتدي عباءة سوداء واسعة وطرحة من نفس اللون.. تخطو ضاحكة.. وكان يمسك بطرف جلبابها ولد صغير..
دخلت الدكان مهللة تقول بصوت عال:
- شدي حيلك يا حبيبتي..
لم تجبها "سامية" بشيء..
كانت تعصر الإيشارب الموضوع بين أسنانها..
تعاونت المرأة العجوز مع زوجة صاحب الدكان على مساعدة "سامية" في أن تضع وليدها بسلام..
وقفت "ليلى" خارج الدكان بعدما أحست بعدم أهميتها.. تنتظر أن تسمع صوت المولود القادم.. فهي كأي إنسان تمتعه هذه اللحظة..
وبالفعل لم تمر سوى ساعة حتى سمع الواقفون جميعًا صوت صراخ المولود الجديد.. يعلن قدومه إلى هذا العالم..
جرت "ليلى" إلى صاحبتها لتطمئن عليها وتشاهد المولود..
انحنت إلى صاحبتها التي أسندوها إلى أحد الرفوف في الدكان..
قربت منها المولود وقالت ضاحكة:
- إنه ولد..
فابتسمت "سامية" بإعياء وقالت:
- نعم.. ولد..
نغزتها في جنبها وهي تقول:
- كنت تخافين من الحسد إذن؟
ضحكت "سامية"..
واقتربت منها صاحبتها لتقبل جبهتها..
سمعا جلبة في الخارج..
خرجت "ليلى".. وما إن شاهدت السبب حتى شهقت فرحة!
إنهما الشابان اللذان سرقا منها حقيبتها منذ قليل!
كان يمسك بهما شاب قوي أسمر البشرة ذو ملامح صارمة..
نزع الحقيبة من أيديهما وسلمها إلى "ليلى" الواقفة بفرح..
سألها وهو يفتش في الحقيبة:
- هل ينقصها شيء؟
- كل شيء كما وضعته في الصباح..
ثم عادت لجارتها تنقل إليها الخبر..
* * *
ولم تمضِ على هذه الواقعة أيام قليلة حتى فاجأ النصيب "ليلى" بشيء انتظرته طويلاً!
لقد تقدم الشاب الذي أعاد حقيبتها وطلب يدها من أسرتها..
قال إنها نالت إعجابه بأخلاقها وسمعتها الطيبة وجمالها!
وأقيم حفل الخطوبة في بيت أبيها..
حضره معظم من شاركوها هذا اليوم..
كما حضره أيضًا أحمد..
ابن جارتها "سامية"..
الذي لم يهنأ أحد على الصمت لحظة وأزعج كل من كان موجودًا ببكائه وصراخه اللذين لم يتوقفا دقيقة واحدة!
وأشارت إلى بطن صاحبتها الممتلئ، وسألتها:
- كم يتبقى لك؟
- شهران..
- سيمران كالهواء.. لكن لا تركزي في الألم..
بدا على وجه "سامية" الوجع، وهي تقول:
- إنه.. أقصد إنها شقية للغاية.. تضرب بطني وظهري كل دقيقة..
ابتسمت "ليلى" وقالت لها إنها ستنسى كل ما تعانيه حين تسمع صرخة مولودها لأول مرة.. وإن البكرية دائماً صعبة..
فدعت "سامية" بحرقة:
- يا رب..
وفجأة!
ظهر موتوسيكل ينطلق بسرعة كبيرة..
وكان يركبه شابان..
خطف أحدهما الحقيبة الجلدية السوداء التي كانت تحملها "ليلى"..
وانطلقا بها في لمح البصر!
ظلت "ليلى" ذاهلة للحظات.. ثم أطلقت صرخة استغاثة..
التفت الناس حولها..
أخذت تشير لهم نحو الطريق الذي انطلق منه الموتوسيكل والحرامية الذين يركبونه..
انطلق أثره ببطء بعض الناس..
شعرت "ليلى" بغيظ أكبر وقالت في سرها:
- ضاعت الحقيبة وانتهى الأمر..
تذكرت الأشياء التي في الحقيبة، فغلى دمها أكثر وأكثر؛ فهي تحتوي.. بخلاف النقود.. على مستنداتها مثل بطاقة الرقم القومي.. وبطاقتها الوظيفية في الشركة التي تعمل بها.. وكارنيه النقابة.. فهي عضوة في نقابة المحامين منذ سبع سنوات.. رغم أنها لا تعمل في مجال المحاماة وتعمل بائعة في متجر للحلويات بوسط البلد.. لكنها تحتفظ بها للضرورة ولزوم المعاش بعد سنوات..
تذكرت كل هذا.. فعلا ضغط دمها.. وأمسكت نفسها بصعوبة عن البكاء..
وفجأة أيضًا!
سمعت صرخة وشعرت بيد تقبض على مرفقها بقوة..
كانت "سامية" تصرخ وتجز على أسنانها من الألم..
بدا أن ساعة الولادة قد حانت..
التفت النساء حول "سامية" التي وقعت على الأرض تتوجع..
ونسيت "ليلى" ما كانت فيه من ألم بسبب فقدان حاجاتها الغالية..
وانحنت على صاحبتها تتفحصها..
حملتها مع النساء إلى إحدى الدكاكين القريبة.. وأخرجن منه صاحبه..
وذهبت إحداهن إلى المستشفى القريب لتحضر طبيبًا..
خرجت امرأة عجوز إلى صاحب الدكان الذي كان يتوقف مع بعض الرجال يمزحون بجوار دكانه.. وطلبت منه أن يحضر بستلة ماء ساخن..
نظر لها الرجل بدهشة.. ثم تحرك من أمامها وذهب متوجهاً إلى بيته القريب من الدكان..
كانت "سامية" لا تزال على صراخها.. و"ليلى" تمسك بيدها محاولة تهوين ألم الوضع..
سألتها:
- ألم يحضروا لك ما فقد منك؟
- لا.. المهم أن تكوني أنتِ بخير.. تحملي..
جزت "سامية" على شفتيها أكثر..
وظلت تهز رأسها بعنف كأنها ستضرب بها الأرض..
أحضرت إحدى الواقفات إيشارباً نظيفاً وضعته بين أسنان "سامية".. فأخذت تعضه.. نزل الدمع من عينيها.. فتألمت لها صاحبتها..
قالت "ليلى" لنفسها إن كل هذا الحزن سيتحول إلى فرح حين تحمل "سامية" طفلها بين يديها.. ثم فكرت في حظها هي..
كانت قد تخطت الثلاثين ولم تتزوج!
لم يتقدم أحد لخطبتها قط.. وكانت تشعر بأنها ليست جميلة ولا تعجب الرجال.. لذلك لا يتقدم أحدهم إليها.. شعرت بأنها لن ترى مثل هذه اللحظة أبدًا!
كانت تشعر بتعاسة طوال الوقت.. تضاعفت اليوم بهذه المواقف المؤلمة التي بدأت معها منذ الصباح..
تشاجرت في العمل وتركته مقهورة تقسم بينها وبين نفسها ألا تعود إليه.. وسرقت حاجاتها منذ قليل.. لكنها مع كل ذلك تحتفظ بإيمان وصبر نادرين في هذا الزمان..
تنهدت بحسرة على حظها.. وقالت بصوت هامس:
- الحمد لله..
عاد صاحب الدكان ببستلة كبيرة ممتلئة بماء ساخن يتصاعد بخاره من فوهتها، وظهرت خلفه امرأته ترتدي عباءة سوداء واسعة وطرحة من نفس اللون.. تخطو ضاحكة.. وكان يمسك بطرف جلبابها ولد صغير..
دخلت الدكان مهللة تقول بصوت عال:
- شدي حيلك يا حبيبتي..
لم تجبها "سامية" بشيء..
كانت تعصر الإيشارب الموضوع بين أسنانها..
تعاونت المرأة العجوز مع زوجة صاحب الدكان على مساعدة "سامية" في أن تضع وليدها بسلام..
وقفت "ليلى" خارج الدكان بعدما أحست بعدم أهميتها.. تنتظر أن تسمع صوت المولود القادم.. فهي كأي إنسان تمتعه هذه اللحظة..
وبالفعل لم تمر سوى ساعة حتى سمع الواقفون جميعًا صوت صراخ المولود الجديد.. يعلن قدومه إلى هذا العالم..
جرت "ليلى" إلى صاحبتها لتطمئن عليها وتشاهد المولود..
انحنت إلى صاحبتها التي أسندوها إلى أحد الرفوف في الدكان..
قربت منها المولود وقالت ضاحكة:
- إنه ولد..
فابتسمت "سامية" بإعياء وقالت:
- نعم.. ولد..
نغزتها في جنبها وهي تقول:
- كنت تخافين من الحسد إذن؟
ضحكت "سامية"..
واقتربت منها صاحبتها لتقبل جبهتها..
سمعا جلبة في الخارج..
خرجت "ليلى".. وما إن شاهدت السبب حتى شهقت فرحة!
إنهما الشابان اللذان سرقا منها حقيبتها منذ قليل!
كان يمسك بهما شاب قوي أسمر البشرة ذو ملامح صارمة..
نزع الحقيبة من أيديهما وسلمها إلى "ليلى" الواقفة بفرح..
سألها وهو يفتش في الحقيبة:
- هل ينقصها شيء؟
- كل شيء كما وضعته في الصباح..
ثم عادت لجارتها تنقل إليها الخبر..
* * *
ولم تمضِ على هذه الواقعة أيام قليلة حتى فاجأ النصيب "ليلى" بشيء انتظرته طويلاً!
لقد تقدم الشاب الذي أعاد حقيبتها وطلب يدها من أسرتها..
قال إنها نالت إعجابه بأخلاقها وسمعتها الطيبة وجمالها!
وأقيم حفل الخطوبة في بيت أبيها..
حضره معظم من شاركوها هذا اليوم..
كما حضره أيضًا أحمد..
ابن جارتها "سامية"..
الذي لم يهنأ أحد على الصمت لحظة وأزعج كل من كان موجودًا ببكائه وصراخه اللذين لم يتوقفا دقيقة واحدة!