شريف محيي الدين إبراهيم - رابطة عنق وردية

وقف شهاب أمام مرآته صباحًا، يعدّل رابطة عنقه الجديدة كأنّها جواز عبوره إلى المستقبل.
ابتسم وهو يهمس لنفسه:
– "يوم جميل."

خرج إلى الشارع، والمدينة تضجّ بصخبها، غير أنّه كان يراها بلون وردي صافٍ، كأنّ الضجيج موسيقى مبهجة.
كان قد تخرّج حديثًا بتقدير امتياز، والتحق بشركة كبرى، وشعر أنّ كل شيء ممكن، وأن الأبواب جميعها مشرعة أمامه.

في المكتب، لمع اسمه سريعًا؛ بذكائه وحدة بديهته، وبوسامته وخفة روحه، صار محور إعجاب كثير من الفتيات العاملات معه. غير أنّ قلبه ظل ساكنًا، حتى ظهرت نهى.

كانت عيناها تحملان بريقًا كأنّهما مرآتان تكشفان عوالم لم يعرفها من قبل. ويوم ابتسمت له ابتسامة خجولة، شعر أنّها وعد لا يحتاج إلى تفسير. منذ ذلك اليوم، أخذت كلماتهما العابرة تكبر في قلبه.

قال شهاب، وصوته يرتجف:
– "نهى… هل تشعرين بما أشعر؟"

خفضت رأسها، ثم رفعت عينيها ببطء، وابتسمت.

قال بلهفة:
– "إذًا قوليها صريحة، دعيني أسمعها من شفتيك."

ترددت، ثم قالت:
– "أنت تصيبني بالارتباك."

ابتسم شهاب والدموع تلمع في عينيه:
– "إذن نحن على العهد، لن يفرّقنا شيء."

قالت وهي تتنفس ببطء:
– "الحياة أشرس من أن تترك لنا أحلامنا على سجيتها."

فأجاب باندفاع:
– "حتى لو انقلبت الدنيا، سيظل العالم ورديًا ما دمتِ فيه."


---

في أحد اجتماعات الشركة، قال المحاسب مراد بثقة مشوبة بالاستعلاء:
– "الأفكار الجيدة، أيها السادة، تحتاج إلى ظهر قوي قبل أن تحتاج إلى عقول متحمّسة."

ردّ شهاب محاولًا التماسك:
– "غير أنّ النجاح الحق يُبنى على العرق والإصرار، لا على الألقاب والمظاهر."

قهقه مراد وهو ينظر حوله كمن يسخر من طفل واهم:
– "الإصرار جميل، لكنه قد يستهلك العمر. أمّا النفوذ فيختصر الطريق كلمح البصر."

أجابه شهاب متحديًا:
– "ومن قال إنّ الطريق القصير أجمل؟ قد يصل المرء سريعًا، لكنه قد يصل فارغ اليدين، بلا معنى ولا جوهر."

ابتسم مراد ببرود:
– "المعنى رفاهية يتغنّى بها الفقراء، أما نحن فنشتري النتائج لا الأوهام."

قال شهاب بمرارة:
– "لو كان كل شيء يُشترى، لضاعت الإنسانية نفسها في سوق المزاد."

قهقه مراد مرة أخرى:
– "ألم أقل لك؟ الإنسانية أيضًا سلعة، لكنها غالية الثمن."

شعر شهاب بخنجر يغوص في صدره، حين التفت نحو نهى فرأى على وجهها ابتسامة صغيرة.
مراد… رجل وسيم ذو عينين زرقاوين موروثتين عن أمه الإنجليزية، ابن سفير سابق، ووريث عائلة مرموقة.

بعد الاجتماع، واجهه شهاب عند الباب قائلاً بحدة:
– "لا تظنّ أنّ النفوذ يشتري كل شيء."

اقترب مراد مبتسمًا ببرود وهمس في أذنه:
– "لكنه يبيع كل شيء."


---

في المكتب، كانت عبير تمازح شهاب قائلة:
– "هل ما زلت ترى الدنيا وردية؟!"

عبير، زميلة أخرى، تحيط شهاب باهتمام مختلف؛ تبتسم حين يقترب، وتسأل عن أحواله بتفصيل لا تفعله مع غيره. كانت تخفي إحساسًا صادقًا، وهي تعلم أنّه لا يبادلها ذات الشعور.

صاحت عبير حتى يلتفت إليها شهاب:
– "حذارِ أن تُصدم، فالشركة لا ترحم."

قال شهاب:
– "الصدمات لا تخيفني، ما دمت أعمل بإخلاص."

ثم نهض ووقف بجوار نهى عند النافذة. قال بصوت خافت:
– "أأخطأتُ حين أحببتك؟"

تهرّبت نهى من الإجابة وقالت بمرح:
– "لو لم تكن عبير هنا، لما فهمت شيئًا من هذه التقارير."

أجاب شهاب بجدية:
– "حقًا يا عبير، وجودك يسهّل علينا الكثير."

ضحكت عبير وقالت وهي تحمل حقيبتها:
– "حان وقت الانصراف."

قبل أن تنصرف، حدّقت نهى في عيني شهاب، تلعثمت لحظة، ثم قالت بصوت امتزج فيه الحزن بالبرود:
– "مراد ليس مجرّد رجلٍ غنيّ… إنّه مستقبل مختلف."

قال شهاب بوجع:
– "وماذا عن قلبي؟"

رفعت رأسها نحوه ببرودٍ أقسى من الصمت، وأجابت:
– "القلوب لا تدفع الإيجار."

تنفّس يائسًا وقال:
– "وهل الحياة معادلة رياضيّة؟ قلبٌ في مقابل حسابٍ بنكي؟"

ردّت بحسمٍ صارم:
– "الحياة حسابات، وإلّا ابتلعتنا كما تبتلع الغافلين."

قال بمرارة:
– "أكنتِ حلمًا إذن، أم مرآةً لانكساري؟"

فأجابته بلهجة قاطعة:
– "ما بيننا لم يتجاوز الإعجاب المتبادل. إنّها علاقة زمالة، وكان ينبغي ألّا تتخطّى ذلك.
أنا لست مدينةً لك بأي وعد. دعني أرى مصلحتي، وابحثْ أنت عن حياتك بعيدًا عني."
---

عاد شهاب إلى بيته حزينًا، دخل على جدته الجالسة بين صور الأجداد وأواني الفضة القديمة. جلس أمامها كطفل يطلب حضنًا وقال برجاء:
– "جدتي… أحتاج إلى دفعة صغيرة، بعض المال فقط لأبدأ."

رمقته بعينين صارمتين وقالت:
– "المال لا يُعطى للحالمين. أثبت أولاً أنّك رجل يعتمد عليه."

قال متوسّلًا:
– "لكنني أخسر كل شيء أمام عيني."

هزّت رأسها ببطء:
– "من يخسر بهذه السهولة لا يستحق أن يُعطى شيئًا. أجدادك كانوا رجالًا يعضّون على الصخر حتى يتفتّت بين أيديهم. أمّا أنت فتسقط أمام نسمة ريح."

خرج من حجرتها مثقلاً بالخذلان. جلس أمام أبيه صامتًا. وضع الأب نظارته جانبًا، نظر إليه مطولًا ثم قال بهدوء صارم:
– "القوة لا تُورّث، بل تُنتزع انتزاعًا."

قال شهاب:
– "لكنني أتألم… كأنني أنزف في صمت."

ردّ الأب بصرامة باردة:
– "الألم هو درس الرجال الأول. إن لم تتعلمه، ابتلعك العالم كما يبتلع الضعفاء."

قال شهاب محتجًّا:
– "لكن أليس من حق الإنسان أن يحلم دون أن يُسحق؟"

أجابه الأب بعينين زجاجيتين:
– "الأحلام زاد الأقوياء، ومقبرة الضعفاء."

جلس شهاب ليلته في غرفته كمن يسائل نفسه:
لماذا المعادلة دائمًا غير عادلة؟


---

في مشروع ضخم للشركة، سُرّبت أوراق مزيفة وبيانات مغلوطة. سقط اسم نهى في قلب الاتهام. اجتمع المدراء الغاضبون، وبدأت الأصابع تشير نحوها.

وقفت مذهولة، تهمس والدموع في عينيها:
– "لم أفعل شيئًا… أقسم أنني بريئة."

نظر الجميع نحو مراد الذي كان يفترض أنّه سندها، لكنه جلس صامتًا، يشيح بوجهه وكأنها لا تعنيه.

فجأة نهض شهاب وقال بصوت جهوري كسر الصمت:
– "كفى! نهى بريئة، وأنا أعرف ذلك حق المعرفة. هذه مؤامرة دُبرت لإسقاطها."

بعد الاجتماع واجهته عبير:
– "شهاب، لا زلت تدافع عن نهى، أرجوك لا تعش في الوهم."

قال شهاب بصوت مبحوح:
– "رغم أنّها خانت ما بيننا، إلا أنّها بريئة من هذه التهمة."

دمعت عينا عبير وقالت بصدق:
– "ليتني كنت مكانها."

في تلك اللحظة، شعر شهاب أن الأرض تنسحب من تحت قدميه. كان يستمع لعبير ويشعر بمدى صدقها، لكنه لا يستطيع أن يحبها.

اشتد الصراع بداخله. عادت عبير تسأله:
– "كنتَ ترى الدنيا وردية، فهل ما زالت كذلك؟"

خفض رأسه وقال:
– "الآن أدركت أن الألوان تخدع… ربما لم يكن اللون الوردي إلا وهمًا في عالم رمادي. ولكنّي لن أتخلّى عنها."


---

في الاجتماع التالي، قال مراد ساخرًا:
– "وهل لديك دليل على براءة نهى؟"

قال شهاب متحديًا:
– "الدليل في صمتك… أنت أول من تخلّى عنها."

ومع التحقيق تكشفت الخيوط، واتضحت المؤامرة بفضل شهاب.

جلست نهى في زاوية المكتب شاحبة، ترتجف كغصن مبلول. اقترب منها شهاب وقال بصوت مبحوح:
– "ليس كل ما يلمع ذهبًا."

رفعت رأسها، والدموع تتلألأ في عينيها، ثم همست بصوت يقطر أسى:
– "أشكرك يا شهاب على كل ما فعلته من أجلي. ربما كنتَ الأصدق… لكن الصدق وحده لا يكفي."

طلبت نهى إجازة قصيرة، كي تريح أعصابها، وانصرفت على عجل.


---

عادت نهى من الإجازة ومعها علبة حلوى ومفاجأة كبيرة!
أعلمت الجميع أنّها قد خُطبت لمراد، ودعت عبير وشهاب لتناول الحلوى.

ضحكت عبير ضحكة ساخرة ولكنها موجعة. سكت شهاب لحظة، كأن قلبه انكسر ألف مرة. فقالت نهى بصوت أعمق، كأنها تعيد ترتيب ماضيها:
– "حياة مرفهة، مال وفير، نفوذ، سيارة فارهة، فيلا فخمة، وكل الأوامر مطاعة. ضع نفسك في موقفي: هل تختار حبًّا قد تفتته قسوة الأيام؟ أم تختار عزًّا وراحة ونفوذًا؟"

توقفت قليلًا، ثم أضافت:
– "آه… نعم أحببتك، وما زلت أحبك. لكن الحب وحده لا يبني مستقبلًا."

نظرت عبير إليهما في دهشة،قال شهاب:
– "حتى بعد أن تخلى عنك، وأنت في أسوأ الظروف؟"

قالت:
– "لم يكن يعلم أنني بريئة، كل الظروف والملابسات كانت تدينني، هو معذور."
قال:
– "ولماذا صدقتك أنا ورفضت مجرد اتهامك بالتزوير؟"
قالت:
– "صدقني، مراد ليس شيطانًا كما تظن، بل رجل مهذّب، يعرف كيف يوفّر لي حياة مستقرة. أمّا أنت، فمخلص. الحب جميل، لكنه لا يشتري الطمأنينة."
---
في تلك الليلة، وقف شهاب أمام المرآة.
يتأمل رابطة عنقه الوردية.
مدّ يده بعنف وفكّها، ثم ألقاها أرضًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى