محمد محمود غدية - سكنى بهو الروح

متوهجة ممتلئة حيوية، وحبا للحياة، بسيطة الملبس، شديدة الهدوء، فائقة الحسن، لاحظ انها املح مما خالها لأول مرة، عينت حديثا، تعمل فى مكتب سكرتارية رئيس الحي، كتاباتها فريدة، تنم عن ذوق عال، تنساب فى سلاسة وتدفق، فى التعامل مع الحروف والكلمات، نترك بعض احلامنا فى المحطات، وقليل من جنوننا على نوافذ القطارات والباصات والسيارات، كل الكائنات حولنا، زاحفة أو طائرة، لا هى يقظى، ولا هى غافية، وليست حية ولا ميتة، السكرتيرة ذات الوجه الخمري، لديها قدرة مدهشة لسحبك الى اعماق
لا نهائية، والسكنى فى بهو الروح، تجعلك تآسف على كل يوم فارغ منها، وكل لحظة لا تؤنسك رؤياها، يوم لا تراها فيه، هو يوم ضائع من عمرك، مشاعرها مقتصدة، يرتاح الناظر لها لملاحتها الهادئة، فى زمن المساحيق الصارخة، منضبطة جدا فى مواعيدها منذ بدء العمل، وحتى ساعات الانصراف، لا يفارق وجهها الابتسام، تختار ملابسها بعناية فائقة، والاناقة لا تنشأ من تلقاء نفسها، ولا ينالها المرء بثمن بخس، لكنها ثقافة الذوق والألوان والبساطة، غير مسرفة فى اللغة والضحك، خافضة الصوت، تشيع البهجة فى من حولها، ترى انه ينبغى على المرء الاستمتاع بحياته،
لاتندم على الأمس، ولا تسأم الحاضر، ولا تخاف الغد، الذى لم يأتى بعد، يكفى أن يكون لديها أب وأم وأخوة يحبونها وتحبهم، لايمكن مبادلتهم بكل كنوز الدنيا، هناك اشياء حلوة، ينبغى العيش لأجلها، تنفض الاحزان، التى تراها، ليست سوى جنازات مؤجلة،
الأهل والأصدقاء القدامى، جميعهم بين ميت وحي، شغلتهم الدنيا، ولم يعد احد فى حاجة اليك، اداروا لك ظهورهم، وتركوك باعتبارك غير موجود، تمعن النظر فى داخلك، مدهوشا وساخرا لأنك المتفرج الوحيد، بعدما نعق بوم الموت، فوق حيطانه، وأمسى أهله وزواره أشباحا،
يمدحها طول الوقت للقاص والدان، حتى والدته لايكف عن الحديث عنها، ورغبته فى الزواح منها، بعد وفاة زوجته،
قرر دعوتها، لتراها والدته، وتبارك زواجهما،
وهو لا يشتهى وطنا سواها،
ابتسمت الأم قائلة :
كيف لعروسك الطيبة النبيلة فى فترة الخطوبة الوجيزة أن تآسر قلبى وتطرى جفاف أيامك، وتزيل خشونتها ؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى