خلف زجاج نافذة السيارة، انزلقت شوارع المدينة باهتة، كأنها لقطات من شريط سينمائي أُفرط في مشاهدته. رفع عمر يده ببطء، ووضعها على موضع الجراحة؛ لم يتحسّس الندبة بقدر ما تأكد أنها لا تزال هناك، دليلًا صامتًا على عودته من مكانٍ لا تُلتقط له صور أو يُحتفى بالوجود فيه.
قبل أيام قليلة، بدأ العالم يضيق حتى صار كثقب إبرة. لم يكن الألم إحساسًا عابرًا، بل كائنًا كامل الهيئة، يقيم في جسده، ينهش أعصابه مع كل زفير، ويتربص به كلما غفل. أحس بأن التنفس نفسه أصبح عدوًا؛ تحولت كل ضحكة إلى هاوية، وكل اهتزاز إلى إنذار. حتى النوم خانه؛ لم يكن نومًا، بل غيبوبات خاطفة، يقتنصها كما يُسرق شيء ثمين من بين أنياب وحش.
توقفت السيارة أمام المنزل، مدّ يده إلى المقبض ثم تجمد. راوده خاطر مباغت:
ماذا لو لم يكن هذا المكان له بعد الآن؟
لم يخف من الألم، بل من الهشاشة التي كُشفت فجأة، من فكرة أن يعود إنسانًا آخر، أقل صلابة، أقل قدرة على التشبث بأظفاره في جسد الحياة.
استقبله صمت البيت، لكنه لم يكن الصمت المعتاد؛ كان صمتًا يقظًا، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها. عندها فقط أدرك مقدار وهنه. ظن طوال عمره أنه عمود البيت الذي لا يميل ولا ينتصب إلا به، فإذا به، قبل ساعات، مجرد جثمان مسلّم لمشرطٍ بارد، يتشبث بالوجود.
جلس أخيرًا على مقعده المفضل. لم يختفِ الألم تمامًا، لكنه تغيّر. صار وخزًا خفيفًا، أشبه بذكرى طازجة لا تزال رطبة. ألم لا يفترس، بل يذكّر.
من تلك الزاوية، بدت الأشياء وكأن عدسة خفية أعادت ضبط العالم. رأى زوجته تضع كوب الماء قربه. التقت عيناه بعينيها، فلم يجد شفقة، بل شيئًا أعمق: ثباتًا متعبًا، وحبًا ظل واقفًا حين كاد كل شيء ينهار. تذكّر ليالي مرضه، كيف كانت تمرّ صامتة، وكيف منحه خوفها المختبئ قوة لم ينتبه لها آنذاك.
اقترب أطفاله ببطء، كما لو كان شيئًا هشًّا لا يُلمس. في نظراتهم المرتبكة، وفي ضحكاتهم المكبوتة، قرأ اعترافًا لم يُنطق: أن غيابه كان فراغًا، وأن عودته ليست أمرًا عاديًا كما تخيل.
سحب نفسًا عميقًا. توقّف لحظة، كأن جسده يطلب الإذن. ثم دخل الهواء إلى صدره بسلاسة. فعل بسيط، لكنه شعر بأنه كطوق النجاة. مجرد الجلوس، مجرد التنفس، بدا انتصارًا لا ضجيج له.
أغمض عينيه، لا ليتأمل، بل ليستريح داخل اللحظة. أدرك، دون حاجة إلى كلمات، أن القوة لم تكن يومًا في تجاهل الضعف، بل في الإصغاء إليه. وأن الأشياء التي كان يعبرها مسرعًا - كأس ماء، يد قريبة، جسد بلا وجع - لم تكن مجرد تفاصيل، بل المعنى نفسه، حين يُمنح فرصة أخرى.
جديد ٢٠٢٦
قصة قصيرة جديدة
للكاتب أحمد عبدالله إسماعيل
قبل أيام قليلة، بدأ العالم يضيق حتى صار كثقب إبرة. لم يكن الألم إحساسًا عابرًا، بل كائنًا كامل الهيئة، يقيم في جسده، ينهش أعصابه مع كل زفير، ويتربص به كلما غفل. أحس بأن التنفس نفسه أصبح عدوًا؛ تحولت كل ضحكة إلى هاوية، وكل اهتزاز إلى إنذار. حتى النوم خانه؛ لم يكن نومًا، بل غيبوبات خاطفة، يقتنصها كما يُسرق شيء ثمين من بين أنياب وحش.
توقفت السيارة أمام المنزل، مدّ يده إلى المقبض ثم تجمد. راوده خاطر مباغت:
ماذا لو لم يكن هذا المكان له بعد الآن؟
لم يخف من الألم، بل من الهشاشة التي كُشفت فجأة، من فكرة أن يعود إنسانًا آخر، أقل صلابة، أقل قدرة على التشبث بأظفاره في جسد الحياة.
استقبله صمت البيت، لكنه لم يكن الصمت المعتاد؛ كان صمتًا يقظًا، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها. عندها فقط أدرك مقدار وهنه. ظن طوال عمره أنه عمود البيت الذي لا يميل ولا ينتصب إلا به، فإذا به، قبل ساعات، مجرد جثمان مسلّم لمشرطٍ بارد، يتشبث بالوجود.
جلس أخيرًا على مقعده المفضل. لم يختفِ الألم تمامًا، لكنه تغيّر. صار وخزًا خفيفًا، أشبه بذكرى طازجة لا تزال رطبة. ألم لا يفترس، بل يذكّر.
من تلك الزاوية، بدت الأشياء وكأن عدسة خفية أعادت ضبط العالم. رأى زوجته تضع كوب الماء قربه. التقت عيناه بعينيها، فلم يجد شفقة، بل شيئًا أعمق: ثباتًا متعبًا، وحبًا ظل واقفًا حين كاد كل شيء ينهار. تذكّر ليالي مرضه، كيف كانت تمرّ صامتة، وكيف منحه خوفها المختبئ قوة لم ينتبه لها آنذاك.
اقترب أطفاله ببطء، كما لو كان شيئًا هشًّا لا يُلمس. في نظراتهم المرتبكة، وفي ضحكاتهم المكبوتة، قرأ اعترافًا لم يُنطق: أن غيابه كان فراغًا، وأن عودته ليست أمرًا عاديًا كما تخيل.
سحب نفسًا عميقًا. توقّف لحظة، كأن جسده يطلب الإذن. ثم دخل الهواء إلى صدره بسلاسة. فعل بسيط، لكنه شعر بأنه كطوق النجاة. مجرد الجلوس، مجرد التنفس، بدا انتصارًا لا ضجيج له.
أغمض عينيه، لا ليتأمل، بل ليستريح داخل اللحظة. أدرك، دون حاجة إلى كلمات، أن القوة لم تكن يومًا في تجاهل الضعف، بل في الإصغاء إليه. وأن الأشياء التي كان يعبرها مسرعًا - كأس ماء، يد قريبة، جسد بلا وجع - لم تكن مجرد تفاصيل، بل المعنى نفسه، حين يُمنح فرصة أخرى.
جديد ٢٠٢٦
قصة قصيرة جديدة
للكاتب أحمد عبدالله إسماعيل