آدم الهاشمي…
اسمٌ يتردّد في أفواه العالم
كما يتردّد الصدى في قلب الجبال.
تعرفه المدن،
وتهمس به العواصم،
وترتجف لوقعه نشرات الأخبار.
ليس مجردَ رئيس دولةٍ عظمى
تمدّ ظلّها على نصف الأرض،
بل رجلٌ
يكفي أن يُنطَق اسمُه
لتختلّ دقّات القلوب،
وتميلَ موازين المصائر.
لكن…
هل يصدّق أحدٌ
أن هذا الاسم المجلجل
ليس اسمه؟
أن "آدم الهاشمي"
ليس سوى قناع محكم الصنع،
إنه اسمٌ مزيف، كذاكرةٍ
أُعيد ترتيبها كما تُرتّب غرفةُ جريمة:
لا فوضى،
لا أثر،
لا حقيقة كاملة.
أما الاسم الحقيقي،
ذلك الذي وُلِد به
في وطنٍ يُدعى حبستان،
فقد دُفن…
دُفن تحت حطام بيتٍ تهدّم في ليلة بلا رحمة،
دُفن الاسم،
ودُفنت معه ضحكاتٌ صغيرة،
وأحلامٌ دافئة،
وأسرة كاملة…
وُوريت حيّةً
تحت أنقاض صواريخ
أطلقتها
دولة تُدعى عدلستان.
الدولة ذاتها
التي يجلس الآن على عرشها.
رنَّ الهاتف الأحمر.
لم يرتجف.
لم يتردّد.
مدَّ يده ببطءٍ محسوب،
كمن يعرف
أن العالم بأسره معلّق على طرف إصبعه.
على الطرف الآخر، كان صوت يلهث:
— سيدي… لقد بدأوا.
صمت آدم.
عيناه ثبتتا في الفراغ،
لكن شيئًا بعيدًا،
قديمًا،
مخيفًا…
ارتعش خلفهما.
***
البداية كانت منذ أكثر من ثلاثين عامًا…
في قلب مركز التدريب السري لدولة حبستان،
قبل أن يخطو آدم الهاشمي خطواته الأولى في عدلستان.
مكان غامض، بلا أعلام، بلا شعارات، بلا نوافذ…
كأن الزمن نفسه توقف هناك، وانتظر ليعيد تشكيل كل شيء.
انتزعوا منه كل أوراقه،
محوا اسمه القديم، صوره، ملامح طفولته…
حتى رسالة سلمى الوحيدة لم تسلم من الطمس.
«لا تنسَ من تكون، مهما تغيّر المكان.»
جلس أمام مدربه العجوز،
رجل جسده ثابت كالصخرة،
وصوته منخفض.
أشار المدرب إلى الرسالة وقال :
— هذه نقطة ضعفك.
ثم أضاف ببرود قاتل:
— وستدفنها… إن أردت أن تبقى حيًّا.
لم يعترض.
لكن اسم سلمى لم يُدفن.
ظل حيًّا، كضوء خافت في زاوية معتمة من ذاكرته.
وفي استراحة قصيرة، همس المدرب:
— أنت لا تتحدث كثيرًا…
الصامتون، إمّا خطرون… أو مكسورون.
ثم نظر إليه طويلًا،
وعيناه تحملان حكمًا ونبوءة، وقال:
— وأنا أراك… خطرًا
أعادوا بناء طفولته من جديد:
تفاصيل لم تحدث، مدارس لم يدخلها، أصدقاء لم يعرفهم.
كان عليه أن يتذكر ما لم يقع، بنفس حرارة ما وقع فعلًا.
أن يغضب لذكريات مصطنعة، وأن يحنّ لأماكن لم تطأها قدماه.
قال المدرب:
— لا أحد يُتقن الكذبة… مثل من يصدق نفسه.
كان المدرب يراقبه دائمًا: طريقة جلوسه، ردود فعله حين يُستفز، صمته تحت الضغط.
قال له يومًا، وفي صوته نبرة فخر نادرة:
— أنت الوحيد الذي يصلح لهذه المهمة.
سأله آدم:
— هل لأني ذكي؟
تأمله طويلًا، ثم قال:
— لو لم تكن ذكيًا، لما منحتك هذه الفرصة.
ثم تابع ببرودٍ محسوب:
— لكن الأهم هو العقيدة… حبك لوطنك، وكراهيتك لهم.
وتوقف لحظة قبل أن يضيف:
— موت أسرتك منحك الحافز. نحن فقط علّمناك كيف تستخدمه… دون أن يحرقك.
تعلّم كيف يجلس دون أن يلفت نظرًا، كيف يتحرك دون أن يترك أثرًا، كيف يغضب داخليًا… ويبتسم خارجيًا.
وكان كلما أُنهك، عاد صوت سلمى داخله، يسأله:
— هل ما زلت تعرف نفسك؟
***
بعد انتهاء التدريب، دخل آدم الهاشمي دولة عدلستان متخفّيًا، موظفًا بسيطًا…
عينًا تراقب، وعقلاً يخطط، وقلبًا متفجّرًا بالكراهية والخوف معًا.
كل شارع، كل رصيف، كل متجر، كل مستشفى، كان يذكّره بما فقده في حبستان.
وجوهٌ لم تكن في كتيبات التدريب.
كان عليه أن يراقبها، لكنه شعر لأول مرة، أن الكراهية وحدها لا تكفي.
كل ابتسامة صادقة، كل كلمة طيبة، كانت سلاحًا مزدوجًا: تهدد مهمته… وتُربك قلبه.
استمع لشكاوى الفقراء، رأى الخوف في الأصوات، والطمع في بعض النفوس.
تدرّجت خطواته بسرعة، بعد أن لفت نظر رؤسائه باجتهاده وكاريزماه الهادئة.
وفي الجانب الخفي، كانت دولة حبستان تدعمه، وتعزّز صعوده، ومع كل ترقية كانت المعلومات تتدفق.
أصبح سكرتيرًا للوزير، ثم مساعدًا له، ثم رجل ظلّ يدير ملفات حساسة.
التحق بالحزب الحاكم مستشارًا سياسيًا، يسمعونه قبل أن يتكلم، ويخشونه أكثر مما يحبونه.
وفي كل خطوة، كان الصراع مستمرًا.
حين أصبح وزيرًا، تلقت دولة عدلستان الخبر بفرح بالغ، وصاح المدرب العجوز، وهو يتابع المشهد من بعيد:
— آدم الهاشمي… هذا اختياري الذي راهنت عليه. لقد وصل تلميذي النجيب إلى ما لم نكن نحلم به.
لكن رحلة آدم لم تكن صعودًا سياسيًا فقط، بل غوصًا أعمق في صراع لا يهدأ:
بين الكراهية التي تربّى عليها، والمسؤولية التي بدأت تفرض نفسها.
بين الواجب، والوطن، والانحياز لإنسان صار يراه وجهًا وجهًا.
لم ينس أنه عميل سري، كُلّف بمهام جسام، ولم ينس أيضًا أنه وزير، ولابد أن يحافظ على كرسيه.
لذلك اتخذ قرارات إصلاحية حقيقية، ربما دون أن يشعر،
قرارات ذكية معظمها يصب في صالح المواطن الفقير، فصنعت له شعبية أكبر بين أبناء عدلستان.
***
ما لم يكن متوقعًا… أن تشتعل الثورة في دولة عدلستان.
بدأت همسة، ثم تحولت إلى موجة.
وكان آدم أحد أسبابها.
أراد إحداث ارتباك سياسي يخدم دولة حبستان، فأرسل توجيهات مشفّرة، وغيّر مسارات القوات، وأربك مراكز القرار.
لكن ما حدث بعد ذلك زلزل يقينه.
في أحد التظاهرات، هتفت امرأة باسمه، ثم قالت بصوت مبحوح:
— أنت منقذنا.
ملامح المرأة كانت تذكره بملامح أمه التي ماتت تحت الأنقاض في صدفة عجيبة جعلته يرتجف.
كل كلمة شكر كانت اختبارًا جديدًا، وكل نظرة امتنان كانت عبئًا إضافيًا.
***
القصر في عدلستان كان يشتعل…
قال رئيس الوزراء:
— المجلس قرر.
وقالت سكرتيرة الرئيس:
— أنت الأنسب.
قال آدم:
— لماذا أنا؟ اختاروا شخصًا آخر غيري.
قالت السكرتيرة:
— لا وقت لدينا، كل الشخصيات الحالية في نظر الشعب كروت محروقة، إلا أنت.
تدخل رئيس الوزراء:
— هذه أوامرنا قبل أن تكون طلبات الشعب.
قالت السكرتيرة:
— أنت فقط من يستطيع أن ينقذ أعناقنا.
أكمل رئيس الوزراء:
— وفي الوقت نفسه يحفظ البلاد من خطر قيام حرب أهلية...
قالت السكرتيرة:
— سنعلن هذا غدًا.
تدخل رئيس الوزراء:
— اليوم… بل الآن… الموقف لا يحتمل.
قالت السكرتيرة:
— آدم الهاشمي، لقد تم تنصيبك رئيسًا للبلاد.
ضحك آدم، ضحكة قصيرة مثقلة:
— أنا آخر شخص يمكنه أن ينقذكم… أنا لست كفؤًا على الإطلاق لهذا المنصب.
أجابت السكرتيرة:
— الشعوب لا تختار الأكفأ… بل من تحبه...
أكمل رئيس الوزراء:
— ثم من قال أنك لست الأكفأ؟!
— هذه أوامر لابد أن تنفذها… أنت لا تملك حتى رفاهية التردد.
قفز قلبه.
لم تعد المسألة مهمة سرية، بل مسؤولية شعب كامل، حتى لو كانوا أعداءه.
***
في لقاء شعبي، صاح رجل عجوز:
— شكرًا لك… ابني الجندي عاد حيًّا.
وفي أحد المصانع الصغيرة، حاول شاب أن يركع أمامه، فأمسكه آدم وقال بحزم:
— لا تركع لأحد.
وفي مدرسة إبتدائية، ناوله طفل صغير كراسة رسم فيها صورته وكتب عليها:
— بطلنا.
هنا… شعر آدم بالخطر باضطراب حقيقي.
وسأل نفسه بألم:
— بطل لمن؟
لعدلستان؟ أم لحبستان؟
كنت أكره عدلستان كرهًا لا يُسأل عنه،
واليوم أمشي بينهم، فأتعثر بوجوه لم تُدرّس لنا في معسكرات التدريب.
رأيت الأيتام، والمصابين، والمساكين الذين لا يعرفون أسماء الجنرالات ولا أهداف الحروب.
مساكين عدلستان هم مساكين حبستان.
الألم واحد، والخوف واحد، والرجاء البسيط واحد… مجرد حياة أقل قسوة.
هل كل هذا من أجل فكرة؟ أم عقيدة؟ أم سلطة لا ترى الجثث إلا أرقامًا؟
الناس لا يعنيهم النصر، بقدر ما يهمهم أن يعيشوا، أن يربّوا أبناءهم، أن يعالجوا مرضاهم، وأن يناموا بلا صفارات إنذار.
***
في دولة حبستان شاهدت سلمى صورته على شاشة التلفاز.
تأملت الملامح طويلًا، كأنها تفتّش في الوجه عن ذاكرة ضاعت، أو اسم انكسر في منتصف العمر، ثم قالت بدهشة خافتة، أقرب إلى الخوف:
— هل يمكن أن يبلغ التشابه هذا الحد؟
في اجتماع مغلق، قال رئيس حبستان لآدم بحدة :
— تذكّر من أرسلك. كل خطوة تخطوها يجب أن تكون في مصلحة وطنك.
أجابه آدم بهدوء:
— تقصد الوطن الذي وُلدت فيه… أم الوطن الذي أحكمه الآن؟
انفجر الرئيس غضبًا:
— هل نسيت نفسك؟! إياك أن تحسب نفسك رئيسًا بحق… أنا أستطيع، في لحظة واحدة، أن أفضحك أمام شعب عدلستان.
لم يهتز آدم، وقال بثقة :
— لن يصدقوك.
صاح الرئيس:
— أنت مجرد جاسوس! ولسنا في حاجة إلى خيالك الأخلاقي! نحن من صنعناك! صنعنا حتى اسمك.
أجاب آدم بصوت ثابت:
— أرسلتم إنسانًا… لا أداة.
قال الرئيس بمرارة:
— يبدو أنها كانت أكبر غلطة.
قال آدم:
— وربما كانت أكبر شيء صحيح فعلتموه.
سأله الرئيس بقلق:
— هل صرت جاسوسًا علينا؟
ولم يجب آدم، بينما قال المدرب العجوز بهدوء:
— صنعناه إنسانًا… والإنسان لا يُستأجر.
صرخ الرئيس:
— أحضروا سلمى!
دخلت سلمى، شحب وجهها، تعلقت عيناها بأدم :
— أأنت حقًا… هو؟
قال الرئيس بحدة:
— هذا هو الرجل الذي خان بلاده… انصحيه أن يعود إلى صوابه.
قالت بصوت مرتجف لكنه صادق:
— لا أحد في العالم يعرف معنى الوفاء مثل هذا الرجل.
ساد صمت ثقيل… همس المدرب:
— يبدو أنه اختار أن لا ينتمي لأحد.
صاحت سلمى:
— أو أنه لا ينتمي لأحد على حساب أحد.
نظر رئيس دولة حبستان إلى آدم :
— سأصدر أوامري الآن بإعدام حبيبتك سلمى.
نظرت سلمى إلى آدم في توتر… كان قلبه ينبض كالطبول في أذنه، لكنه أخذ نفسًا طويلًا ورفع رأسه:
— أنت تهدد. لكن الأقوى ليس من يتكلم… بل من يفعل…وأنا أستطيع أن أعزلك أنت شخصيًا من منصبك.
قال الرئيس مذهولًا:
— هل جننت؟
قال آدم:
— ثورة، أو انقلاب بسيط يطيح بك في لمحة. كل أسرارك، كل بياناتك، كل شيء… عندي. أنت، أفراد أسرتك، حاشيتك وخدمك.
ثم أضاف ببرود أشد قسوة:
— أعرف حتى الشراب الذي تشربه، والطعام الذي تأكله قبل أن يصل إليك. وزراؤك، وقادتك، ورجالك… يدينون لي بالولاء قبل أن يعرفوك.
قال المدرب:
— لقد استطاع القيام بثورة في عدلستان، فلماذا يفشل هنا، وهو الآن أقوى؟
قال الرئيس بارتباك:
— ماذا تقول؟
قال المدرب:
— مهاراته تتجاوز كل التوقعات.
قال رئيس حبستان بمرارة:
— آدم لقد صرت رسميًا خارج سيطرتنا.
صاح آدم بقوة:
— أولًا، لا يصح أن تخاطب رئيس دولة عظمى دون لقبه الرسمي… قل فخامة الرئيس آدم الهاشمي.
ثم تابع بثبات:
— ثانيًا… أنا لست أداة... أنا مجرد إنسان… رأى البشر قبل أن يرى الأعلام.
همس المدرب في أسى:
— لن يتركك أحد، حتمًا لن تنجو.
اسمٌ يتردّد في أفواه العالم
كما يتردّد الصدى في قلب الجبال.
تعرفه المدن،
وتهمس به العواصم،
وترتجف لوقعه نشرات الأخبار.
ليس مجردَ رئيس دولةٍ عظمى
تمدّ ظلّها على نصف الأرض،
بل رجلٌ
يكفي أن يُنطَق اسمُه
لتختلّ دقّات القلوب،
وتميلَ موازين المصائر.
لكن…
هل يصدّق أحدٌ
أن هذا الاسم المجلجل
ليس اسمه؟
أن "آدم الهاشمي"
ليس سوى قناع محكم الصنع،
إنه اسمٌ مزيف، كذاكرةٍ
أُعيد ترتيبها كما تُرتّب غرفةُ جريمة:
لا فوضى،
لا أثر،
لا حقيقة كاملة.
أما الاسم الحقيقي،
ذلك الذي وُلِد به
في وطنٍ يُدعى حبستان،
فقد دُفن…
دُفن تحت حطام بيتٍ تهدّم في ليلة بلا رحمة،
دُفن الاسم،
ودُفنت معه ضحكاتٌ صغيرة،
وأحلامٌ دافئة،
وأسرة كاملة…
وُوريت حيّةً
تحت أنقاض صواريخ
أطلقتها
دولة تُدعى عدلستان.
الدولة ذاتها
التي يجلس الآن على عرشها.
رنَّ الهاتف الأحمر.
لم يرتجف.
لم يتردّد.
مدَّ يده ببطءٍ محسوب،
كمن يعرف
أن العالم بأسره معلّق على طرف إصبعه.
على الطرف الآخر، كان صوت يلهث:
— سيدي… لقد بدأوا.
صمت آدم.
عيناه ثبتتا في الفراغ،
لكن شيئًا بعيدًا،
قديمًا،
مخيفًا…
ارتعش خلفهما.
***
البداية كانت منذ أكثر من ثلاثين عامًا…
في قلب مركز التدريب السري لدولة حبستان،
قبل أن يخطو آدم الهاشمي خطواته الأولى في عدلستان.
مكان غامض، بلا أعلام، بلا شعارات، بلا نوافذ…
كأن الزمن نفسه توقف هناك، وانتظر ليعيد تشكيل كل شيء.
انتزعوا منه كل أوراقه،
محوا اسمه القديم، صوره، ملامح طفولته…
حتى رسالة سلمى الوحيدة لم تسلم من الطمس.
«لا تنسَ من تكون، مهما تغيّر المكان.»
جلس أمام مدربه العجوز،
رجل جسده ثابت كالصخرة،
وصوته منخفض.
أشار المدرب إلى الرسالة وقال :
— هذه نقطة ضعفك.
ثم أضاف ببرود قاتل:
— وستدفنها… إن أردت أن تبقى حيًّا.
لم يعترض.
لكن اسم سلمى لم يُدفن.
ظل حيًّا، كضوء خافت في زاوية معتمة من ذاكرته.
وفي استراحة قصيرة، همس المدرب:
— أنت لا تتحدث كثيرًا…
الصامتون، إمّا خطرون… أو مكسورون.
ثم نظر إليه طويلًا،
وعيناه تحملان حكمًا ونبوءة، وقال:
— وأنا أراك… خطرًا
أعادوا بناء طفولته من جديد:
تفاصيل لم تحدث، مدارس لم يدخلها، أصدقاء لم يعرفهم.
كان عليه أن يتذكر ما لم يقع، بنفس حرارة ما وقع فعلًا.
أن يغضب لذكريات مصطنعة، وأن يحنّ لأماكن لم تطأها قدماه.
قال المدرب:
— لا أحد يُتقن الكذبة… مثل من يصدق نفسه.
كان المدرب يراقبه دائمًا: طريقة جلوسه، ردود فعله حين يُستفز، صمته تحت الضغط.
قال له يومًا، وفي صوته نبرة فخر نادرة:
— أنت الوحيد الذي يصلح لهذه المهمة.
سأله آدم:
— هل لأني ذكي؟
تأمله طويلًا، ثم قال:
— لو لم تكن ذكيًا، لما منحتك هذه الفرصة.
ثم تابع ببرودٍ محسوب:
— لكن الأهم هو العقيدة… حبك لوطنك، وكراهيتك لهم.
وتوقف لحظة قبل أن يضيف:
— موت أسرتك منحك الحافز. نحن فقط علّمناك كيف تستخدمه… دون أن يحرقك.
تعلّم كيف يجلس دون أن يلفت نظرًا، كيف يتحرك دون أن يترك أثرًا، كيف يغضب داخليًا… ويبتسم خارجيًا.
وكان كلما أُنهك، عاد صوت سلمى داخله، يسأله:
— هل ما زلت تعرف نفسك؟
***
بعد انتهاء التدريب، دخل آدم الهاشمي دولة عدلستان متخفّيًا، موظفًا بسيطًا…
عينًا تراقب، وعقلاً يخطط، وقلبًا متفجّرًا بالكراهية والخوف معًا.
كل شارع، كل رصيف، كل متجر، كل مستشفى، كان يذكّره بما فقده في حبستان.
وجوهٌ لم تكن في كتيبات التدريب.
كان عليه أن يراقبها، لكنه شعر لأول مرة، أن الكراهية وحدها لا تكفي.
كل ابتسامة صادقة، كل كلمة طيبة، كانت سلاحًا مزدوجًا: تهدد مهمته… وتُربك قلبه.
استمع لشكاوى الفقراء، رأى الخوف في الأصوات، والطمع في بعض النفوس.
تدرّجت خطواته بسرعة، بعد أن لفت نظر رؤسائه باجتهاده وكاريزماه الهادئة.
وفي الجانب الخفي، كانت دولة حبستان تدعمه، وتعزّز صعوده، ومع كل ترقية كانت المعلومات تتدفق.
أصبح سكرتيرًا للوزير، ثم مساعدًا له، ثم رجل ظلّ يدير ملفات حساسة.
التحق بالحزب الحاكم مستشارًا سياسيًا، يسمعونه قبل أن يتكلم، ويخشونه أكثر مما يحبونه.
وفي كل خطوة، كان الصراع مستمرًا.
حين أصبح وزيرًا، تلقت دولة عدلستان الخبر بفرح بالغ، وصاح المدرب العجوز، وهو يتابع المشهد من بعيد:
— آدم الهاشمي… هذا اختياري الذي راهنت عليه. لقد وصل تلميذي النجيب إلى ما لم نكن نحلم به.
لكن رحلة آدم لم تكن صعودًا سياسيًا فقط، بل غوصًا أعمق في صراع لا يهدأ:
بين الكراهية التي تربّى عليها، والمسؤولية التي بدأت تفرض نفسها.
بين الواجب، والوطن، والانحياز لإنسان صار يراه وجهًا وجهًا.
لم ينس أنه عميل سري، كُلّف بمهام جسام، ولم ينس أيضًا أنه وزير، ولابد أن يحافظ على كرسيه.
لذلك اتخذ قرارات إصلاحية حقيقية، ربما دون أن يشعر،
قرارات ذكية معظمها يصب في صالح المواطن الفقير، فصنعت له شعبية أكبر بين أبناء عدلستان.
***
ما لم يكن متوقعًا… أن تشتعل الثورة في دولة عدلستان.
بدأت همسة، ثم تحولت إلى موجة.
وكان آدم أحد أسبابها.
أراد إحداث ارتباك سياسي يخدم دولة حبستان، فأرسل توجيهات مشفّرة، وغيّر مسارات القوات، وأربك مراكز القرار.
لكن ما حدث بعد ذلك زلزل يقينه.
في أحد التظاهرات، هتفت امرأة باسمه، ثم قالت بصوت مبحوح:
— أنت منقذنا.
ملامح المرأة كانت تذكره بملامح أمه التي ماتت تحت الأنقاض في صدفة عجيبة جعلته يرتجف.
كل كلمة شكر كانت اختبارًا جديدًا، وكل نظرة امتنان كانت عبئًا إضافيًا.
***
القصر في عدلستان كان يشتعل…
قال رئيس الوزراء:
— المجلس قرر.
وقالت سكرتيرة الرئيس:
— أنت الأنسب.
قال آدم:
— لماذا أنا؟ اختاروا شخصًا آخر غيري.
قالت السكرتيرة:
— لا وقت لدينا، كل الشخصيات الحالية في نظر الشعب كروت محروقة، إلا أنت.
تدخل رئيس الوزراء:
— هذه أوامرنا قبل أن تكون طلبات الشعب.
قالت السكرتيرة:
— أنت فقط من يستطيع أن ينقذ أعناقنا.
أكمل رئيس الوزراء:
— وفي الوقت نفسه يحفظ البلاد من خطر قيام حرب أهلية...
قالت السكرتيرة:
— سنعلن هذا غدًا.
تدخل رئيس الوزراء:
— اليوم… بل الآن… الموقف لا يحتمل.
قالت السكرتيرة:
— آدم الهاشمي، لقد تم تنصيبك رئيسًا للبلاد.
ضحك آدم، ضحكة قصيرة مثقلة:
— أنا آخر شخص يمكنه أن ينقذكم… أنا لست كفؤًا على الإطلاق لهذا المنصب.
أجابت السكرتيرة:
— الشعوب لا تختار الأكفأ… بل من تحبه...
أكمل رئيس الوزراء:
— ثم من قال أنك لست الأكفأ؟!
— هذه أوامر لابد أن تنفذها… أنت لا تملك حتى رفاهية التردد.
قفز قلبه.
لم تعد المسألة مهمة سرية، بل مسؤولية شعب كامل، حتى لو كانوا أعداءه.
***
في لقاء شعبي، صاح رجل عجوز:
— شكرًا لك… ابني الجندي عاد حيًّا.
وفي أحد المصانع الصغيرة، حاول شاب أن يركع أمامه، فأمسكه آدم وقال بحزم:
— لا تركع لأحد.
وفي مدرسة إبتدائية، ناوله طفل صغير كراسة رسم فيها صورته وكتب عليها:
— بطلنا.
هنا… شعر آدم بالخطر باضطراب حقيقي.
وسأل نفسه بألم:
— بطل لمن؟
لعدلستان؟ أم لحبستان؟
كنت أكره عدلستان كرهًا لا يُسأل عنه،
واليوم أمشي بينهم، فأتعثر بوجوه لم تُدرّس لنا في معسكرات التدريب.
رأيت الأيتام، والمصابين، والمساكين الذين لا يعرفون أسماء الجنرالات ولا أهداف الحروب.
مساكين عدلستان هم مساكين حبستان.
الألم واحد، والخوف واحد، والرجاء البسيط واحد… مجرد حياة أقل قسوة.
هل كل هذا من أجل فكرة؟ أم عقيدة؟ أم سلطة لا ترى الجثث إلا أرقامًا؟
الناس لا يعنيهم النصر، بقدر ما يهمهم أن يعيشوا، أن يربّوا أبناءهم، أن يعالجوا مرضاهم، وأن يناموا بلا صفارات إنذار.
***
في دولة حبستان شاهدت سلمى صورته على شاشة التلفاز.
تأملت الملامح طويلًا، كأنها تفتّش في الوجه عن ذاكرة ضاعت، أو اسم انكسر في منتصف العمر، ثم قالت بدهشة خافتة، أقرب إلى الخوف:
— هل يمكن أن يبلغ التشابه هذا الحد؟
في اجتماع مغلق، قال رئيس حبستان لآدم بحدة :
— تذكّر من أرسلك. كل خطوة تخطوها يجب أن تكون في مصلحة وطنك.
أجابه آدم بهدوء:
— تقصد الوطن الذي وُلدت فيه… أم الوطن الذي أحكمه الآن؟
انفجر الرئيس غضبًا:
— هل نسيت نفسك؟! إياك أن تحسب نفسك رئيسًا بحق… أنا أستطيع، في لحظة واحدة، أن أفضحك أمام شعب عدلستان.
لم يهتز آدم، وقال بثقة :
— لن يصدقوك.
صاح الرئيس:
— أنت مجرد جاسوس! ولسنا في حاجة إلى خيالك الأخلاقي! نحن من صنعناك! صنعنا حتى اسمك.
أجاب آدم بصوت ثابت:
— أرسلتم إنسانًا… لا أداة.
قال الرئيس بمرارة:
— يبدو أنها كانت أكبر غلطة.
قال آدم:
— وربما كانت أكبر شيء صحيح فعلتموه.
سأله الرئيس بقلق:
— هل صرت جاسوسًا علينا؟
ولم يجب آدم، بينما قال المدرب العجوز بهدوء:
— صنعناه إنسانًا… والإنسان لا يُستأجر.
صرخ الرئيس:
— أحضروا سلمى!
دخلت سلمى، شحب وجهها، تعلقت عيناها بأدم :
— أأنت حقًا… هو؟
قال الرئيس بحدة:
— هذا هو الرجل الذي خان بلاده… انصحيه أن يعود إلى صوابه.
قالت بصوت مرتجف لكنه صادق:
— لا أحد في العالم يعرف معنى الوفاء مثل هذا الرجل.
ساد صمت ثقيل… همس المدرب:
— يبدو أنه اختار أن لا ينتمي لأحد.
صاحت سلمى:
— أو أنه لا ينتمي لأحد على حساب أحد.
نظر رئيس دولة حبستان إلى آدم :
— سأصدر أوامري الآن بإعدام حبيبتك سلمى.
نظرت سلمى إلى آدم في توتر… كان قلبه ينبض كالطبول في أذنه، لكنه أخذ نفسًا طويلًا ورفع رأسه:
— أنت تهدد. لكن الأقوى ليس من يتكلم… بل من يفعل…وأنا أستطيع أن أعزلك أنت شخصيًا من منصبك.
قال الرئيس مذهولًا:
— هل جننت؟
قال آدم:
— ثورة، أو انقلاب بسيط يطيح بك في لمحة. كل أسرارك، كل بياناتك، كل شيء… عندي. أنت، أفراد أسرتك، حاشيتك وخدمك.
ثم أضاف ببرود أشد قسوة:
— أعرف حتى الشراب الذي تشربه، والطعام الذي تأكله قبل أن يصل إليك. وزراؤك، وقادتك، ورجالك… يدينون لي بالولاء قبل أن يعرفوك.
قال المدرب:
— لقد استطاع القيام بثورة في عدلستان، فلماذا يفشل هنا، وهو الآن أقوى؟
قال الرئيس بارتباك:
— ماذا تقول؟
قال المدرب:
— مهاراته تتجاوز كل التوقعات.
قال رئيس حبستان بمرارة:
— آدم لقد صرت رسميًا خارج سيطرتنا.
صاح آدم بقوة:
— أولًا، لا يصح أن تخاطب رئيس دولة عظمى دون لقبه الرسمي… قل فخامة الرئيس آدم الهاشمي.
ثم تابع بثبات:
— ثانيًا… أنا لست أداة... أنا مجرد إنسان… رأى البشر قبل أن يرى الأعلام.
همس المدرب في أسى:
— لن يتركك أحد، حتمًا لن تنجو.