ثناء درويش

بين البطل والكاتبة استيقظتِ الكاتبة مفزوعة ليلة أمس، تلهث كمطارد في وحشة غابة، بعد أن استُنفِذتْ طاقتها في كتابة الفصلين الأول والثاني من روايتها "حصرم الألم". تملّكها رعب قاتل، حسبتْ معه خشخشة أوراق الشجر خارجاً قعقعة أسلحة، وأن باب بيتها سيخلع بين لحظة وأخرى من قبل الحُماة أو أولي الأمر، ولن...
الفصل الثاني - ما بينَ هنا وهناك "١" كانتْ تلك المرّة الأولى التي أركب بها المترو، ولم يسبق لي أن رأيته إلا في الأفلام، وبقيتُ مذهولاً أمام هذا الإنجاز الحضاري الهائل وهو يعبر بنا الأنفاق تحت الأرض بسرعة فائقة، جعلتني أستحضر وقوفي لساعات لانتظار الحافلة في بلدي، والاستقتال لأظفر بمقعد...
حصاةٌ تحتَ لساني "١" أخيراً حانتِ اللحظة... اللحظة المصيرية التي أرمي بها الحصاة من فمي، وأقف وجهاً لوجهٍ أمام خوفي، فقد آن أن تغادرني إلى غير رجعة بعد أن صار عمرها بعدد سنين عمري. أعتذر منكما يا والديّ، لأني سأقول "لا" لأوّل مرة في حياتي، وأبصق الحصاة التي دسّها كلاكما تحت لساني منذ طفولتي...
بين البطل والكاتبة بركنها البعيد المعتاد جلستِ الكاتبة وحيدة قرب النافذة مع أوراقها وفنجان من القهوة، تصغي باسترخاء لذيذ لعازف التشيلّو في اللحن الأقرب لقلبها.. وقلبي! هو ذات المقهى القديم الذي سبق وأبدعتْ فيه غيري لسنين خلتْ، فكأنه الرحم الواحد لكلّ مواليدها، ما أُجهض منها دون أن يستكمل أشهر...
وإني رأيتكَ يا آسري بعتقكَ عن كلّ نعتٍ ووصفْ أجل قد رأيتكَ لما دعوتَ بهزّةِ رأسٍ وتلويحِ كفّ تقولُ : " تعالي إلى جنتي " فجئتك أسعى بثنيٍ وعطفْ أحثّ خطايَ وشطحَ رؤايَ وما ثَمّ وقفْ أراكَ .. أراكَ وليس سواكَ أنّى اتجهتَ ونقّلتُ طرفْ حينَ الحنين كروحٍ يحلّ كطيفٍ يشفّ برقصةِ نقطةْ بمعنىً...
أنا يا أبي الذي في السماءِ كما في الأرضِ كما في سُويداءِ قلبْ لم أقرعْ يوماً طبولاً لحربْ كنت ناياً شفيفاً شغوفاً يئنُّ .. يحنُّ لروحِ القصبْ و كم قد مددتُ يدي للسَّلامِ السَّلامُ عليكمْ .. السَّلام لكم فشُلَّت يميني و غُلَّت يميني و ما بيميني حتى سيفٌ خشبْ و قلتُ إذا هبَّت الريحُ يوماً ...
بالأمسِ .. كما لو أنني أحلمُ وجدتني بخوراً في مجمرةٍ أتبخّر على مهلي و يملأ طيبي المكانَ ثم في الصحوِ .. أُنسى بالأمسِ .. كما لو أنني أحلمُ شهدتُ الفيلمَ بالأبيض والأسود الأبطالُ والكومبارسُ كانوا يرتدون ثياباً من عصرٍ قديمٍ وأنا بلا انفعالٍ .. كصخرٍ على كتفِ الجبلِ أرقبُ ما يجري ثمّ أصحو ...
"1" لم يكنْ ما بي نوعٌ من الوسواسِ القهريّ، أو لعله كانَ.. من يدري؟! كنتُ لا أفتأ أتلمّسُ أينما وكيفما كنتُ عنقي، للتأكدِ من وجودِ الحبلِ، رغم أن نارهُ لا تبرحُ تلسعني على مدارِ الساعةِ، فمن منّا يذكّر الآخرَ بوجودهِ.. أنا أم هو؟! "هل تقصدينَ زنّارَ النارِ، يصيبُ منطقةً من الجسم، يكوي...
علا صوتُ أمّ خالد تنادي على ابنِها ربما للمرّةِ العاشرةِ: - خالد.. برضاي عليك يا حبيبي اتركْ آلةَ التصوير وتعالَ اجلسْ معنا، فالشاي كاد أن يبرد، ولحظاتُ الصفوِ لا تعوّض، إن ذهبتْ لا تعود. - يا الله يا ماما، ها أنا آتٍ في الحال، فقط دعيني ألتقطُ بعضَ الصورِ لكِ ولجدّتي في ظلّ هذه الشجرةِ الوارفة،...
أخيراً وبعد جدلٍ مستقطعٍ استمرّ لشهور، وافقتْ نور أن تذهبَ بسريّةٍ تامّةٍ لمراجعةِ طبيبٍ نفسيّ، إذ كانتْ قد رفضتْ الفكرةَ من جذورها مراراً وحجّتها أن المرضَ النفسيّ بعرفِ المجتمعِ هو نوعٌ من الجنونِ أو الاختلال، كذلك تتوهّمُ ذاكرةُ القومِ الجمعيّةِ خطرَ المريضِ على من حولِه وضرورة عزله أو حجره،...
أتيتُ بوقتي إلى الموعدِ ولم أكُ ابنةَ أمسٍ تولّى ولم أسبقِ الوقتَ نحوَ الغدِ ارتديتُ القميصَ الوحيدَ لديّ وجينزاً يخفي الدوالي بساقي وعطّرت روحي بحلمي النّدي فلم يحتفِ بي الراقصونْ سوى النادلُ يسأل بين حين وحينْ ما تشربينْ ؟! يجيبُ بالنفيِ كفُّ يدي وأرسم طيفَ ابتسامٍ يحيي بودٍّ اللا أحد أصفّر...
سأخلعُ كلّ أقنِعَتي وآتيكَ بلا لُغَتي مجازاتي استعاراتي وغُنجي عبرَ تَوْرِيَتي تراكَ سوفَ تعرفني من الأنفاسِ في رئتي من العينِ التي رفّتْ من الآهِ غدتْ صوتي من الكفِّ ال يقبّلُكَ على الخدِّ على الشَّفةِ وإن جئتُ كما الروحُ تعودُ من فضا الموتِ تراكَ سوفَ تسألني: أراكِ لو تحجّبتِ ولكن أبقى في جهلي...
نامَ الخلِيُّ.. كيف يغفو المُسهدُ يتلوكَ وٍرداً في السكونِ يردّدُ "لا حبَّ إلا اللهَ احكمْ ما ترى أنتَ المحجُّ وللصلاةِ المسجدُ" والقلبُ وعلٌ في مفازةِ وجدهِ ظمآنَ يشهدُ أن ثغرَكَ مورِدُ ما رامَ قصداً أو تسلّى بالسِّوى بيتُ القصيدِ أنتَ وجهي واليدُ حظٌّ عظيمٌ توأمي منذُ الأزلْ طوبى لروحي...
كنتُ ثلاثاً في الطريقْ واحدٌ صار وقودَ المحرقةْ وآخرٌ ظنّ بأن بقاءَهُ في الحروفِ المورقةْ وثالثٌ ما زال ينبشُ في العروقِ كي تفيقْ كنتُ ثلاثاً في الطريقْ واحدٌ أكلَ الطريقُ فؤادَهُ و آخرٌ اقتاتَ من أوهامهِ وشعّ حبّاً سادَهُ وثالثٌ حيران.. يغفو أم يفيقْ؟ كنتُ ثلاثاً في الطريقْ كنتُ جماهير...
وكان ذنبي أنني أسندتُ رأسي مرةً على مقامِ ال دو وأخرى على مقامِ "سي بوني يا ناس" بدلَ مقاماتِ الأولياءْ وصعدتُ السلّمَ الموسيقيّ كلّ درجتين بقفزةٍ واحدةٍ بدلَ سلالم السماءْ وتراقصتُ كذؤابةِ شمعةٍ ما بين قرارٍ وجوابٍ بدل أن املأ الكونَ أسئلةً وابتهالاتِ دعاءْ المصيبةُ أنّ حرّاسَ اللحنِ أيضاً...

هذا الملف

نصوص
139
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى