قال الرجل للطلاب الصغار الذين اختفت بطونهم وراء مقاعد الدراسة:
ـ درس الكيمياء لهذا اليوم يتعلق بالنقاط الثلاث التالية: التجزئة ـ التحلل ـ الضياع.
ثم لوح بأنبوبة زجاجية طويلة تظهر بداخلها سائلاً لا لون له، فاشرأبت الأعناق إليه يحرك الأنبوبة في الهواء وكأنه يلوح لعيونهم المندهشة بمفاجأة...
بدت عدسة المجهر قذرة، ولكن الخطوط والنقط الدقيقة جعلت تتشكل ببطء شديد على البلورة الرقيقة. أثار انتباهي الشكل الهلامي الذي ظهر فجأة على مساحة الرؤية فمسحت العدسة بمنديل ورقي، ولكن عنايتي الفائقة بالنظافة لم تمنع الشك الذي بدأ ينمو بشكل شيطاني في داخل رأسي. كان الذي سيظهر لي تحت العدسة هو حتماً...
قفز إلى ذهنه سؤال جديد:
-. ترى.. هل ستكون هذه أيضاً من القطيع؟. أليست متميزة؟. لقد قرأ في عينيها البنيتين سيرة جديدة لم يقرأ مثلها في أية عينين مرتا به أو مرّ بهما.. فهل يتابع الطريق ويدخل معها تجربة جديدة؟. أما يكتفي بما في صدره من سهام؟.
كان يومئذ جالساً في مكتبه بإدارة الجريدة يدخن وحيداً...
السكين في الخاصرة، والأمل حرون، وليس في المرتجى الداني أو في الأفق المياسر، أي بشير للخلاص..
في هذه اللحظة، تنهي سفينة فضائية دورة جديدة في المدار، وتشحذ سكرتيرة كاعب ابتسامة متجددة للمدير وتكشيرة للمراجعين.. ويستوي أحد أباطرة المال فوق أريكة مصرفية وهو يلوي عنق الخط البياني للبورصة العالمية،...
هذا هو اسمه الذي عرف به في أحياء دمشق القديمة في الأربعينات.. لم أرو حكايته لأحد إلا واستملحها، بل أن أكثر من كاتب قال أنها تصلح مادة لأقصوصة قصيرة، أو حتى لسهرة تلفزيونية إذا أضيفت إليها بعض التوابل، واستأذنني في ذلك كأنني صاحبها في حين أنني أحد رواتها، وقفت عليها مصادفة من صديق عايش تفاصيل...
أتخذ مقعدا منزويا في كازينو النهر المطلة على شاطئ الفرات حاملا معه مجموعة من الأوراق البيضاء وبيده قلم رصاص وفي رأسه تدور أفكار كثيرة .. عجبا في اي موضوع يكتب ؟!.
نظر الى مياه نهر الفرات الهادئة ومد بصره بعيدا حتى اصطدمت بالضفة المقابلة للنهر ..
كان مساء و الطقس ربيعي .. النسمات الحالمة القادمة...
حلم الليلة الماضية حلما جميلا ، رأى فيه في ما يرى النائم كل هوامش أفكاره الماضية تتوحد في النص الشارد و تلمع تحت الضوء الساطع و قد تبخر كل ما كان يغمه و يقض مضجعه وصارت كل العوالق المتبقيات على ما يرام. باختصار ، رأى أن حياته قد صارت مكانا مثيرا و جميلا و يصلح فعلا للعيش ، عندما استيقظ قرر أن...
لم يكن أحد ليحفل بنهاية حياة تلك النبتة التي كانت لحدود اليومين الماضيين تبدو بحالة لا بأس بها تقريبا و هي في ذلك الأصيص المهمش في ذلك الركن القصي من البيت و الذي لم يكن ينتبه غالبا لوجوده احد.
مع انها ظلت حريصة منذ أن تم انتدابها عصر ذلك اليوم الخريفي من ذلك المشتل الصغير الذي يقع في ذلك...
" ليس كل انحناء احترام " قالت له, بعد أن طلب منها الانحناء احتراماً له, ولمقامه الرفيع جداً. ثم أكملت قائلة: " الاحترام يولد الانحناء, وليس العكس .. فأنا كل صباح أنحني لأربط حذائي, والأكيد أني لا أحترمه إلا عندما تكون الأرض مبلله أو متسخة.."
لم يستوعب هذه الكلمات الجافة والقاسية, فقد كانت كبيرة...
سعيد منتسب
لن أقول أين قابلتهم. كانوا يملؤون الشارع بالضحك، يستجمعون قواهم ويركضون جماعة نحو السوبر ماركت. يأكلون السكر، ويمطون أجسادهم للوصول إلى الطاقات
الزجاجية التي تعلو النوافذ، على مقربة من المكيف الهوائي الضخم.
طلبوا مني أن أغمض عيني لألا أراهم يغادرون معاطفهم. أحاطوا بي، وبدؤوا يطلقون...
كانت الشمس لم تشرق بعد عندما صحا أبو الحسنين من نومه على نشيج زوجه المكبوت، فانقبضت نفسه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قام عن سريره وجلس على حافة سريرها وراح يهدهدها بحنان.
قال وهي تبتلع دموعها:
ـ حلمت أنني أرضعه، فلما صحوت وجدت ثديي يدران لبناً وما وجدته...
وراحت تنشج بصوت عال.
تصنع...
(أخذني عائد ـ الزوج ـ من يدي وشدني خلفه وأوقفني أمام صفيحة القمامة وراح يخرج تلك الكتلة المؤلفة من أوراق وفوارغ وتفل وقهوة وورق (كلينكس) وبقايا تنظيف
خضراوات وفاكهة كانت ورقة الجريدة التي مسحت بها زجاج نافذة الصالة مبلولة ومطوية وداخلة ضمن نسيج الكتلة وماذا في ذلك إن أمسح زجاج البيت بورق الجرائد...
تدور صينية القهوة على المعزين، ينتظر دوره، عن يمينه صالون النسوة الباكيات، تساءل وهو يتناول فنجان قهوته: لماذا لا يبكي الرجال مثل النساء؟ وهل البكاء صفة من
صفات النساء وحدهن؟ وتخيل الرجال يبكون بالطريقة ذاتها التي تبكي بها النساء، فضحك في سره، ورشف قهوته متذكراً أن عليه أن يزور بيتين آخرين...