الحلاق الذي يتابعني بنظره كلما كنت ذاهباً أو عائداً من عملي، ينظر إلي بطرف عينه من خلف نظارته التي تسندها عظمة أنفه البارزة، يتابع نمو شعري بهدوء صياد ماهر. عندما أذهب إليه أجده يضحك ضحكة واثقة، كأنه يراهن نفسه على أني سآتي إليه في هذا اليوم بالتحديد، يُرجع النظارة بإصبعه الأوسط ويضغط على مؤخرة...
في جلبابها تقترب ببطء من التلفاز حتى تكاد تحجب الشاشة، تقرّب رأسها وتضيّق عينيها رغم النظارة الثقيلة وتسأل: تمثيلية إيه يا ولاد؟
نردّ بنفاد صبر: فيلم يا تيتة، فيلم.
ويظهر شبح ابتسامة على وجه أمي التي تضع قدمها على دواسة مكنة الخياطة، ويدها على القماش تحت الإبرة، وطرف عينها يراقبنا وأنفها يراقب...
لقد ضاعت أشياء كثيرة ولم يتغير شيء
دائما ما يكرر تلك العبارة ، عندما تسمعه لأول مرة يخيل إليك على الفور أنه يهذي ، على الرغم من جدية مظهره ، يطلق عليه سكان البيت فى همس "الساكن الجديد" ، مع أنه ليس أحدث السكان ، بيد أن صفة الجديد تلك صارت ملتصقة باسمه منذ أن أقام لأول مرة فى هذا البيت...
الأنثى تنهض من سبات عميق.. من غيبوبة صمت. ثائرة على كل شيء.
في عينيها لمعة غريبة.. غضب نسائي تراكم منذ عصور
تنظر حولها.. تسير.. الساعات تهدر مثل قطار لا يأبه.. يدوس ما يراه أمامه
الانثى تنهض.. تتفادى القطار
تقترب من نوافذ الغرفة.. تفتحها.. يتسرب نور باهر، اشتاق ان يدخل غرفا نسائية منذ الاف...
1
الكلبة في الحي مثل جردل كناسة، أودع نفسه للناموس، مجرد كائن منبوذ، يبعث في المكان روائح نتنة، لا تطاق، كروائح المؤرخين السماسرة.. الحي يتوحش تعقيداً، والكلبة في العهر تتأسس مشروعاً.. الحي يبلله الشوق لمحق ذاته برئة أفصح، والكلبة في البائسات من الأيام تختمر..
الحي يملؤه التحديق، والكلبة...
* إهداء إلى الشاعرة أمل الفرج
يا رب السماوات التي لا نراها، ولا نعلم سرها، جسدي الذي أسكنه جف، أين طوفانك المفاجئ ليُعيد ترتيب الأمور؟.
لم تكن وجهتنا معلومة.. هي وشاية الطير حملها بمنقاره، لنعلم بأن هناك بعيداً عن أقدامنا تنضج الحياة.! سقطت من عيني " نوح " دمعتان عندما بدأ المطر، تحرك قلبه...
* إهداء إلى أم العز الفارسي
لا أستطيع أن أرى أمي.. صهري قبض عليه منذ أيام.. وجاء البوليس لـتـفـتـيش بيتها والذي أقيم في شقة فوقه.. اقتحموها.. سألوا عني.. أجابهم الغبار: إنه لا يقيم هنا.. منذ شهور ترك الشقة ليقيم في غرفة ضيقة ببيت شباب شحات.. التقيت بقريب لي.. أخبرني أنهم يبحثون عني.. ومكعب...
استقبلتنا بضحكة واسعة غطت وجهها العريض فرحة بقدومنا المفاجئ، ثم دخلت علينا والدتها واحتضنتنا بفرح، فهلت أنسام جميلة لفحت وجوهنا بأثر الاستقبال الحميمي الذي حف بنا من كل جانب.
قالت لنا: نسيتم أن تحضروا لي أغلى شيء على قلبي، إلا تعرفون أنني احبه كيف نسيتموه؟
وحملقنا في وجوه بعضنا البعض، كيف...
* الإهداء:إلى: روح سيدة الطرب في زمن عز فيه الطرب
صوت (أم كلثوم) يسرقك فجأة من رفيقك الذي أحس بابتعاد روحك عن المكان, والتصاقك اللاإرادي بالمذياع, فآثر أن لا يخدش جلال اللحظة بحديثه, تاركاً لك فرصة التحليق مع ذبذبات الأثير التي انتشرت في الأجواء وراحت تتسرب إلى أبعد قمة في أعماقك.
و(قصة الأمس)...
ترك كل شيء وخرج وحيداً يجرجر خطواته كالمهزوم.. لا أحد يتمنى له رحلة موفقة، ولا مودع.. سوى نباح الكلاب التي بدت وكأنها متواطئة مع أهل القرية على سوء معاملته والتعجيل برحيله خارج حدود القري
وقف لبرهة واستدار للخلف، ملقياً آخر نظرة على بيوت القرية التي ظهرت من بعيد كبيوت للأشباح، بلونها الرمادي...
بين اليقـظة والمنام شعرت أن شطر فراشـي قد أصابه الفراغ.. تحسـسته في الظلام.. كان بارداً.. وفارغاً.. أيقنـت أنها ذهبت إليه.. قمت على عجـل.. خرجت من الغرفة.. متجنباً إصدار أي صوت.. على أطراف أصابعي قطعت المسافة حتى غرفته.
كانت هناك.. صوتها يهمس بكلماته مبهمة في أذنه.. وهو يلتقم صدرها بنهم.. وقفت...
- لا يوجد لدينا غرف شاغرة
كانت هذه العبارة، أخر ما يتمنى سماعه من موظف الاستقبال.. قال له وهو يحاول أن يكون دقيقاً في اختيار عباراته:
- أريد غرفة.. الليلة فقط.. وغدا مع الصباح أغادر بأذن الله.
- يوجد لدينا سرير شاغر في غرفة زوجية.
- موافق.. موافق هي ليلة فقط.
قالها بسرعة حتى لا يغير موظف...
أحب أن أنوه، أنا "عمر أبوالقاسم الككلي"، القصاص والمترجم المعروف (لبعضكم)، إلى أنني قد تلقيت عدة مرات معونات مالية من إحدى عشر بلداً أجنبية هي: روسيا الاتحادية، وروسيا البيضاء، وبريطانيا، وأيرلندا، وألمانيا، ومالطا، وكذلك: طاجكستان، وأذربيجان، وأبخازيا، وأيضاًَ: أمريكا.
وأنا إذ أقول (بلاداً)...
أدلى القطّ العجوز بتصريح للجريدة الصادرة في الغابة، أعلن فيه توبته عن مطاردة العصافير وعزمه على الامتناع عن أكل لحمها والاكتفاء بسماع أغانيها، ودعا العصافير إلى وليمة سيقيمها في بيته احتفالاً بتوبته، فعقدت العصافير اجتماعاً لمناقشة تصريحات القطّ، وكان أوّل المتكلمين عصفوراً شرهاً لا يعرف الشبع،...
اِتّخذتُ مكاني المعهود من قارعة الانتظار ومقعد الصّبر المتهالك يتخلخل تحتي وأمواج البحر تتضرّم كأشواقي.
كان موعد تلاقينا الخامسة تماما من مساء الرّابع من ماي سنة أربع وألفيْن . ثلاث سنوات مرّت على افتراقنا. أحسب أنّي لو رأيته الآن لظننت أنّي لم أغادره إلاّ غيبة وعي قصيرة وأنّي بَعْدُ إلى جانبه...