لم تمطر أمس
ولا أول أمس ..
بل لم تمطر منذ أسابيع وشهور !
جف الزرع والضرع، واكتست الأرض لونا داكنا بعد أن جفاها الاخضرار، ولعلعت الشمس مهيمنة بحرارتها اللافحة بعد أن طردت كل غيمة حاجبة.
تهامس الناس في البداية في رعب مرددين لفظة الجفاف غير مصدقين، ثم ارتفع الهمس ليصبح جهرا يطرق كل الآذان كأنه...
جناحان لعلي
سعيد الكفراوى
دارنا المقامة علي التلة، تكسوها طبقة جديدة من الجير، وتعلو سطحها أعلام ملونة ترفرف بعلامة الفرح، وعلي واجهتها رسوم لسفينة راحلة علي شراعها كتابة، وبجانبها رسم، أسد يحمل سيفا، وجمال علي ظهرها المحمل.
فرح أختي اليوم !!
خلف البوابة فناء به شجرة ليمون، وأخري برتقال، ونخلة...
مد رجليه مستريحا، وتأملهما برهة طويلة ثم خطرت له فكرة.. لماذا لا يستغلهما في الجري والسباق..سباق الحواجزالتي أحكمت عليه الخناق من كل الجهات .. لماذا لا يجرب حظه فيتخطاها بجريه.. لقد جرى كثيرا..طاف الشوارع والدروب..دق أبواب جميع المؤسسات..الخاصة والعمومية بحثا عن عمل..لكن الحظ لم يبتسم له..ظل...
بعد نقاش متواصل، استقر رأي سكان القرية على حسم الأمر، وإنهاء الموضوع الذي أخذ منهم وقتا طويلا، وجدلا مرهقا كاد يتحول أحيانا إلى خلافات عميقة تؤدي إلى تفرقة صفوفهم وكسر وحدتهم.
اتفقوا على خطة واحدة، وقرروا تنفيدها دون تردد، استيقظ الجميع باكرا، وتوجهوا كلهم نحو الطريق الوحيدة المؤدية إلى المدينة،...
كان "شندويل" جالساً القرفصاء، معتمداً رأسه براحتيه، وقد ملكه تفكير مضطرب حائر، وران على الدار هدوء ثقيل، يشيع فيه هم وقلق ورتوب. وجب أن يحسم شندويل الأمر على أي نحو يكون. لم يعد طفلا ولا صبيا، إنه شاب مكتمل الشباب، بل إنه بلغ مبلغ الرجولة، وانصرم الوقت وشندويل لم يُغيِّر جلسته، يضرب في متاهة لا...
غادر المنزل وقد بنى عزمه على أن ينفّذ فكرته!..
وسار في الطريق زائغ النظرات، وفي رأسه أتون يتأجج، ولكن خطواته كانت متلاحقة محكمة تدلّ على عزيمة واقتدار، كأنّها خطوات جنديّ ماض إلى حومة القتال!..
إنّه يشبه الجنديّّ فيما يقصد إليه، من أداء مهمة وخوض معركة، ولكن الفارق بينهما أن الجنديّ يمضي وهو في...
يثور غاضباً في وجه سحنته المُتجعِّدة أمام المرآة، تكاد سباته المعقوفة إلى الجهة اليمنى أن تلامس أنفه:
أنا من أنا، أقف عاجزاً لحد الهزء بين حُثالة هؤلاء القرويين.
يَرتدُّ إليه صوته المنحبس في جوف محاصر بحموضة مقززة، كم نصحته زوجته بقلع أسنانه:
هذه الرائحة الكريهة، لن تزول إلا بتغيير الفم...
لم يطب لحبيبي مالك أن أقول إن جده رجل بشع؛ فبرم شفتيه، وأدار ظهره، وكنت لأرى بداهة وجهه وقد تغضن، فعرفت أنه بذلك في طريقه لمخاصمتي، فحزنت، لكني لم أبذل كثيرا من جهد بعدها لإرضائه، فقط أرسلت له قبلة مكوّرة في الهواء محمولة على رؤوس أصابع يدي اليمنى، وضحكت ضحكة أنثوية، فخرّ مالك عند منبت شجرة...
طفولة و ...
يستحمون بالسماء.. السماء تدلف وتكف: تارة تسكب فوق رؤوسهم وعاءها، تلعب معهم لعبة التخفي فتعتم ثمّ.. تضئ ، تلعب معهم لعبة الألوان ؛ فترسم قوس قزح على صدرها ثمّ.. تمحوه، تباغتهم وتمسكهم وتلقي بهم في الوحل.. يعودون للحظة الخليقة الأولى ممزوجين بالطين كديدان لزجة حديثة الولادة.
تصيح...
في غرفة عمي ذات خريف :
لا تخفي عيناه كلّما تحسَّستا ظِلَّ صاعدٍ إليه، ما يُضمرُهُ بسبب التناوُب عليه في تفَقّدِ أحواله بين الساعة والساعة، في مواجهة تساؤل أصحابي عن اعتكافه الذي طال أكثر من عشر سنوات،لا أجد أشبهَ بِعمِّي المعتزل في غرفة السطح، غير أبي العلاء المعري رهين المحبسين، أقتربُ من...
أحس بضغط قوي في أمعائه، و شعر بضرورة التخلص من شحنتها في أسرع وقت لعل الألم يبارحه.
ظل يسرع الخطى غير آبه بالوجوه و الأصوات. عيناه لا تبحث إلا عن يافطة تفيد أنه أمام مرحاض عمومي. وفجأة لاحت له في أعلى الشارع.
هرول بما أوتي من قوة. ولج المبنى بسرعة . و لحسن حظه وجد بابا في الداخل مفتوحا.
لم يعرف...
إهداء إلى الذين لا يتكلّمون أبدا بألسنتهم
تقلّب الأخرس ليلا في فراشه، تذكر نظراته المختلسة في النهار الفائت نحو النساء الجميلات، وتذكر ضحكات النساء الجميلات عليه في النهار الفائت ذاته.
انفطر قلبه، تجسد قلبه في نصفين، رأى نصفيّ قلبه معلقين على صدر فتاة ركبت إلى جانبه في حافلة القرية القديمة...
أفكر أن أكتب في مذكراتي الأخيرة عن الناس المملوئين بالخوف من الموت، بيكاسو كان مملوءا بالخوف من الموت؛لذا ظلّت جاكلين؛ المرأة التي لم يشوّهها في لوحاته،تحتاط لمثل هذه المخاوف، وقد نجح في التنبؤّ حول موته؛ فرسم لوحة العارية والرأس و بعدهما توفي بأحد عشر شهرا ،ورغم أنه كان لا يكتب وصيته حتى لا...
نمت نوما متقطّعا الليلة، تركت التلفاز مشعلا كما يحدث عادة، أشارت المرأة ذات الرداء الرمادي إلى التلفاز، فهمت من حركة يدها بواحد من الأصابع أنها تريد أن أطفئه، قلت للمرأة الممدّة على السرير بأني أخاف أن أنام وهو مطفأ، وهي بدورها تكلّمت بصوتها الواطيء وكأنه ندهة أخيرة، أخبرت المرأة ذات الرداء...