حين رايتك
تذكرت الشعراء الذين
ألفوا التشبيهات الجاهزة
والتي عادة ما تكون باردة
وبلا طعم
فراحوا يشبهون فمك
بعناقيد العنب
وطعم القبلة بالعسل
عينيك بكؤوس الليل
أو حقول القمح
ونهديك بالرمان
ويشبهون ساقيك
بأغصان الكستناء
وشعرك بسعف النخيل
وضحكتك بكركرات نهر
وكنت أقول
كان عليهم
أن يشبهوا الأشياء بك...
لا أحب النوافذ من حديد
ولا الأبواب
فهي تذكرني بقضبان المعتقلات
ونوافذها الصغيرة
التي عادة ما تكون
في أعلى الجدار
هواؤها شحيح
ولا تدخلها الأحلام
أحبها من خشب
تفوح برائحة الطلاء
وفي قلبها
رغم يباسها الأبدي
ذكريات رفيف
لهذا صرت كلما مررت بالشناشيل
وأرى النوافذ ملونة
تطل من أعلى البيت على الشارع...
" وفى مغيب آخر ايام عمرى ..
سوف أراك وأرى أصدقائى ،
ولن أحمل معى تحت الثرى غير حسرة الأغنية ..
التى لم تتم ..! "
( ناظم حكمت )
***
(1) حب .. وبحر .. وحارس
كانوا قالوا : " إن الحب يطيل العمر "
حقا .. حقا .. إن الحب يطيل العمر ! !
حين نحس كأن العالم باقة زهر
حين نشف كما لو كنا من بللور...
البيضاءُ ، الخضراءُ
الناعمةُ الملمس
ذائعةُ الصيِّت
الذاهبةُ الخطوة نحو تضاريسى
الآهلةُ النظرة بالسكان المحتلفين
بيوم السكنى ،
المرتجلةُ عشقا ..
أعرفها من خفق هواها
إن ذهبتْ
أو عادتْ ،
أو هتفتْ للبحر أن امتلئ الآن
المرتاحةُ من سفر الأنحاء
الصافيةُ الجسد كشمع لم تمسسه
يدان ،
البيضاءُ ،...
(1)
إذا احتكم الأمر أن أشتهى طلعتك
سأعطى إشارةَ بدء إلى القوم
كى يمنحوك البشارةَ
والطهرَ عند العناق
وطبلاً ،
إذا ما استثارك رقصُ البلاد
وأغنيةً ...
سأسويكِ خلْقاً جديدا ،
ونهراً
ـ إذا سبقتني الجيادُ
ستحملني قصبات الهواء
على شاطئ الهرولة ـ
لكى أعتلى تَّلتكْ
وأنفخ فيك رمادَ الفصول
وأرفع عنك...
لا تخبرني عن المدينة
أنا أول من غفرت لها خطاياها
يوم رميت بأسمالي وسط النهر
وتحوّل بي الإنسان الى شاعر أوسطه زوال
وأنا أول يتاماها الذين تمردوا ..
لحظة أن أبصرت وجهها يبتسم للهامش
ويعبس بوجه الذين ولدوا من صلبها
إنها مدينة : راق لها الذين يذرفون الكلمات
ويتشدّقون بذبح الحمامات البيض ..
على قارعة...
لنا منك يا ألفةَ الروحِ
لونُ النوارس والحبِّ
إذ نشتهيكِ فمًا ساخنًا
تتسرّب فيكِ
وليلى برقصتها مثلُ باقي القصائدِ
تبكي
صباحَ مساءْ
تهرِّبُ تحتَ القميص الملوّنِ
أرقامَ كلِّ المواعيدِ
والفرح الطفلِ
كل المنافي
هي الآن تأتي
تهزّ على جبهة الجسر أعطافَها
ثم تنأى!
فماذا تريدُ المسافةُ منا
ونحن المحطاتْ...
إلى كمال العبدلي
حَينَ كان النهرُ يجمعنا خلسةً من خلفِ طاولاتٍ نحتتها
الرياحُ
والأسماكُ التي تَعلَمتْ للتو قراءةِ الأضواءِ من لغطِ
الشارعِ، أبي نؤاس، كنتُ أضَعُ أوراق لعبتي بيد ثلة من
الرفقةِ اخبروني بسحرهم المحير على خلطها؛ أوراق
تُبَدلُ سحنتها في الصيفِ لكي تلبسُ حلةِ المساءِ الوقورةِ
وتَسرحُ...
فجأة، في محطة الأرصاد الجوية، أجهش المهندسون بالبكاء.
وفي سماء المدينة حلّقتْ نسور ضخمة، مصابة بداء السيدا.
وحدهم العميان كانوا يرون تلك النسور المهيبة، وهي تحلق وفق أشكال هندسية بديعة، ثم تحط ببطء شديد قرب النصب التذكاري للشيطان.
وما إن خيم الليل، حتى ظهر في السماء قمران اثنان: قمر للأحياء...
تعودت ألا أنتظر احدا
أختفي خلف المسافات الشاسعة في قلبي
اوزع ركام الأحزان المنزوية
على الفراغات الممتدة
كطفلة صغيرة
تدهشها البياضات العالقة بين عالمين
وتربكها الاحتمالات غير المنتظرة
والامنيات المحطمة
تلك التي تفتح بابا على السماء
وبابا على قلب عاشق
نسي أن يقفل باب الغابة التي ابتلعته
وهو
يلوح...