سرد

حينما بدأ يستدرجه شيئا فشيئا وفي خطوات صغيرة ومدروسة جدا قصد القيام بتلك المهمة الجسيمة، كان الشاب مطرقا يستمع في وجوم وخشوع، لم ينبس طول الوقت ولو بكلمة، لكن عندما بلغ الحديث نقطة حسن الجزاء الذي سيناله جراء عمله، والافاضة في شرح ما ينتظره من حسنات وملذات الآخرة، انفعل الشاب وبدون تفكير قال: -...
حتى الآن، لا أعرف ما سأحكيه لكم، وهل ذلك وقع فعلا لي منذ عقود أم حدث أمس فقط، أم أن الأمر مجرد حلم رأيته ذات ليلة، واستقر في ذهني على أنه واقع، وسرت أحكيه لكل من يسألني عن الحال التي انتهيت إليه أنا الماثل أمامكم. مهما يكن اشهد الله أن ما أرويه ربما وقع بين اليقظة والحلم، ولن أضيف شيئا من عندي...
* إهداء: إلى الذين قضوا في سبيل لقمة عيش نظيفة تحت أنقاض مناجم الفوسفاط باليوسفية هناك أسفل حائط " لكريني" جلست, كان جليسك وأنيسك "بولبادر" يطل عليك من اللافتة اللاصقة على قنينة الشراب الاحمر الرخيص, وكان صاحبك قرطاس "الطايب وهاري"**، حملته معك من السوق الاسبوعي الذي يبعد نصف ميل عن الحائط...
قبلت الدعوة بتلقائية دونما تفكير مسبق. حينما وصلت إليهما، أخذت كرسيا ودون تفكير مسبق أيضا وضعته بينهما أمام مائدة الغذاء. وهكذا جلسنا نحن الثلاثة كلنا جنبا الى جنب على طرف واحد من المائدة. كنت قد تأخرت عن الموعد بدقائق عديدة، ولم يتسن لي أن أفكر بعمق في السؤال الذي راودني لحظة الجلوس، حول سبب...
في محطة بوخارست أنتظر القطار الذي سيأخذني الي بودابست، رائحة عرق السوس وعطر الكولونيا وحفنة من الهرمونات ونساء بلهاوات يقطعن المسافة بيني وبين بائع التذاكر، عازف قيثار لا أحد يعبأ به، والرصيف مزحوم بالهامبرغر والصراخ والمحلات وبنطلونات الجينز وقمصان الهيلاهوب وغناء وتشويق وغرائب تنام علي مصاطب...
في المقهى ، وبعد عشر سنوات على تركه التدخين ، عاد ثانية إلى سجائر المارلبورو ، التي اعتادها في السجن ، أيام كان محسوباً على حزب محظور ، ينفث الدخان بأعصاب موتورة ، ويكرر ـ مع نفسه ـ كلمات روزفلت: الشجاعة لا تعرف المستحيل. ليس المهم هذا الشعور القاتل بخيانتها ، بل إحساسه بالغفل والبلاهة: كيف يكون...
كان غسان اول من دخل المغارة واول من مات فيها، وما كان من السهل ان يعرف احد من رفاقه كيف مات ومن كان السبب؟ لكن الدقائق التي سبقت اللعبة دلت على خيط باهت يربط بين موته وبقاء صديقه معروف على قيد الحياة. لنقل ان الذي كان عليه ان يموت، هو معروف وليس غسان، لكن تشاء اللعبة التي لعبها معروف ان تجر...
في داخل البيت، اذ النوافذ والابواب كلها مغلقة، كان السيد ضامن حسن ملتصقا بالجدران الباردة، يلمسها ويخرمشها حينا، ويمسحها باصابعه حينا اخر، والبيت كان واحدا من تلك البيوت المعزولة عن قلب المدينة، يكاد ان يكون خاليا الا من بيوتات العناكب ومن صف واحد من المقاعد الملونة الممسوحة المتآكلة عند موضع...
كان الهواء نقياً إلي درجة كبيرة جعلت حتي الجراثيم تخرج للتنزه في الهواء الطلق، وبدون أن تدري أصابتني وأصابت الجميع بالرشح.. إنه الربيع.. وفي أوقات الربيع يطيب للبشر أيضاً الخروج إلي الهواء الطلق كما تفعل الجراثيم.. ولكن لا ورد في الحديقة، ولا بعبع في الرأس.. فلا مفر إذن من زيارة المشتل في طريقي...
تواعدنا أن نلتقي في نهاية الجدار.. الجدار كان طويلاً يبدأ من بيتنا، ويلتقي في نهايته بجدار آخر يؤدي إلى بيت ديدن. كنت أمر به كل يوم في طريقي بين البيتين. وياما التقينا هناك خلسة من عيون المارة الوقحة التي تبحلق فينا عندما ترانا متعانقين هناك. كففنا عن تلك اللقاءات اليومية بعد أن عزمنا على...
في بداية الْخَريف الْماضي، قبل أنْ يرحلَ إلى العالَم الآخر، قال لي بوجهٍ باسِمٍ، وصوتٍ هادئٍ، وهو على فراشه يَحْتضِر: ـ لا تقلقْ، بُنَيَّ، سأعود في فصل الربيع، وإنْ قُبِضَتْ روحي! لَمْ تنزلْ من عيني دمعةٌ واحدةٌ، لأنني كنت أثِق به، أي أنه سيرْجِع إلَيَّ، وإلى أمي الْحَنون، التي لَمْ تُطِقْ...
أدرك بعد فوات الأوان أن عواطفي الزائدة عن الحد ولطفي كادا أن يفتكا بي ويحرقا قلبي، بل ويورطاني ورطة العمر، لحظة جعلتني تلك الواقعة البئيسة على شفا حدث مدمر، كان يمكن أن يقودني إلى أسوأ مصير يمكن تخيله، وبالتالي أضطر إلى أن أدفع الثمن غاليا مقابل ذلك من جراء تهوري وسذاجتي. أقول تهوري مع أنني كنت...
من نقطة ما، لا تدركها الأبصار، تنطلق كل الخطوط، منعرجة، منحنية، متداخلة، تائهة... تنبثق كل الألوان صافية، غامقة، ناعمة، غامضة، ملتبسة... في البدء، ترسمني وردة وتسميني "وردة"، تنيمني في حضن حديقة أبي، وترعاني حتى أصير سمكة ذهبية، أمرح في مسبح الفيلا الغناء، وعندما يأتي الربيع الوسيم تحوّلني حمامة...
الزقاق موحش و بارد.. أجرّ خلفي عربة الخضر الفارغة فتصطدم عيني بمشهد القطة الهزيلة متكوّمة على نفسها في شقّ الجدار المطلّ على مقهى الحيّ .. تتقدّم أمامي السيدة "فيونا" جارتي القادمة من إحدى تلك المدن البعيدة و الباردة أراها تتحرك داخل ثوبها البرتقالي المتصلّب..أراقب مشيتها الخفيفة و أتذكر أنّ...
السائح الألماني إيمانويل غندبرغ لم يكن يعلم أن نهاية رحلته لإفريقيا ستنقضي في جنوب السودان. الثقب الصغير في أنبوب الزيت لا يدعو للقلق. الشمس تبسط خيوطها الأولى اللاذعة على ضفة النيل الأبيض كأنها غطاء الجحيم، فلا مفر منها إلا الغابة الكثيفة الخضراء التي تترامى على مد البصر. تتناهى إلى سمعه أصوات...
أعلى