في بيتنا الدمشقي الواقع في زقاق الحمراوي ياسمينة يتيمة تحتلّ حوضا جانبيا صغيرا من أرض الدار.
كانت الياسمينة نحيلة وطويلة بلا فروع صغيرة على جانبيها أو أزهار بيضاء وكنت أسقيها يوميا كلما شطفتُ أرض الدار على أمل أن تزهر وتنفلش فروعها... ولكنها بقيت على حالها من الكآبة مخالفة قانون الضحك والنمو...
في منتصف الليل وندف الثلج تهمي كقطن منفوش، جالسا في غرفتي أمام المدفأة، منصتا الي أغنية ألمانية شعبية في المذياع عن بلبل مات في قفص وأميرة ضائعة في غابة سمعتُ قرعا علي النافذة، خفيفا مثل قطرات مطر. أحد ما كان يهمس بصوت سمعته بالكاد، معلقا في الفضاء الأبيض أمام الطابق الخامس من العمارة المعتمة...
سألني بالأمس أحد القراء عن الكاتب العالمي الأمزيغي محمد خير الدين الذي ذكرته في حلقة الأمس وقال لي أول مرة أسمع بهذا الكاتب واجبته في تعليق مختصر ولهذا فكرت في كتابة هذه الحلقة بهذه الطريقة والسبب الثاني هو ان هناك شبه في الشكل بين بلمعلم وخير الدين وكذلك شبه في بعض السلوك مثلا عدم اعطائهم أهمية...
يا دجلة الخير صك السمع ما سردوا
فهل ركنت لأشتات السلاطين
صاد وحفنة ري منك نكفيني
فجد نميت لاجواد ميامين
وليس بي ظمأ للدم إن دمي
كما علمت لو استسقيت يرويني
لكن بي ظمأ للشمس تحرعها
غبر الجداء فتحييها وتحييني
يقال شحمك لو جس العدا ورم
وأنت تلقى الى جب وتبقيني
ماذا أقول اذا استنطقت عن وجعي
والجرح...
كان والده من جزيرة سالونيك اليونانية، بشارب مرتجف، وقد ترك زوجته المصرية في السويس، وجاء ليعيش في سيدني، معه آليكس وهو يتهادى في سيره، عيناه بلون الزيتون الأخضر. ربّته زوجة أبيه وحيداً بعدما مات زوجها اليونانيّ لاهثاً، قضى نحبه فوق فخذيها الأيرلنديتين الحليبيتين. كان الولد يجمع الأصدافَ، نابذاً...
توقفت الشمس في منتصف السماء تماما، ولقد حاولت أن أعي ما حولي ولكن ظروفا كثيرة كانت تعرقل فهمي.. إلا، أن كل ذلك لم يمنع نظري من التسلل إلى الاتساع المذهل للعالم الفسيح، باحة أو صالة أو ملعب روماني كان المنظر أمامي، ولقد همست لي أمی بأن كل هذه الجبال التي تحيط بالباحة أو الصالة أو الملعب الروماني...
لها رنين يهز القلب، يشعل كهرباء في جسم جسدي، تصاحبها غمزة من عينها الكحيلة توقظ صبوتي.. قالت وهي تمط ذيل ضحكتها وتلصق كتفها الطري بكتفي بعد مدفع الإفطار: «العيد قرب يابو صلاح». رفعت نظري إليها في استنكار، فهي أعلم بالحال.. وفي الحال، انهارت حجج التملص في نفسي.. لمحت وجه صلاح وفمه يتسع على آخره...
للشعر نهدان صغيران ولحية بدائية وأرجل خمس ، حين أكتب القصة بالليل، يعري نهديه ويغمز لي فأضطرب وأرتبك حتى أكسر قلم الرصاص حين أكتب بالنهار، يكشر عن لحيته فأضطرب وترتجف يدي حتى تفلت قلم الرصاص حين لا أكتب شيئا، يطاردني بأرجله الخمس حتى ينهكني وأسقط على الأرض، فيطل عليّ من فوقُ ضاحكا لم يبق لي إلا...
الأعياد من المراسم المرعية في جميع الأديان الكبرى؛ لأن الاشتراك في الاحتفال بوقت من الأوقات يرعاه المتدينون جميعًا. هو بعض المعالم العامة التي لا غنى عنها في كل عقيدة تدين بها الجماعة، وتتعارف على شعائره.
وفي الأديان الكتابية كلها أعياد مقررة تجب على الجماعة رعايتها، يلاحظ في الكثير منها أعياد...
إذا كان للعرب الجاهليين من الأسباب والدوافع وظروف الحياة، ما يجعلهم يرون في المرأة الملاذ الذي يوفر لهم سبل الطمأنينة والبهجة، والماء الذي يعصمهم من الظمأ، فإن نظرتهم إلى الحب وتعبيراته العاطفية والحسية لم تنشأ في فراغ التصورات، بل أملتها عوامل مختلفة بينها علاقتهم الملتبسة بالغيب، وشحّ المصادر...
اختلف البصيرُ طه حسين عن أقرانه المبصرين فى عاداتهم الكتابيَّة، فكان يُملى خواطره مجاريًا بذلك تقاليد العميان، فى وقت يباشرها المبصرون بأنفسهم، لكنَّ الاختلاف الأهمّ مصدره الحال التى كان عليها، فقد كان مشَّاءً فى الإفضاء بتلك الخواطر إلّا إذا أعاقه عائق، ومنعه مانع، وفى ذلك اختلف، أيضا، عن...
وراء فندقٍ فخمٍ في نيودلهي، سورٌ من الخيزران ارتفاعه اثنتا عشرة قدماً، ليحميه من الأكواخ أو أيّ حيٍّ صفيح أو فقير ـ يحمل البؤس أسماء عديدة ـ وينبسط إلى الليل. يستقرّ ما هو محظورٌ هناك وسط الصناديقِ، علب الصفيح، أسطح الأشرعة الممزقة، وسط جداول البراز والنيران الواطئة والظلال الساكنة وهي تومض في...
ما اجتذبني في المؤلّفيْن و منذ البداية هو أولا جانبهما السرّي، الملغز، المثير للاهتمام. لقد تعرّفتُ على بورخيس من خلال كتبه، غير أنّ قصّتي مع كيليطو شيء آخر تماما.
اكتشفتُ بورخيس لمّا كنتُ طالبة بفرنسا وذلك حينما تلقّيتُ عام 1982 مجموعة أقاصيص "الألف" ( 1949) كهديّة، بينما تعرّفتُ على كيليطو...