وأنا هنا
وأنت هناك
كش ملك..
وكنت قد خلقت من الوقت وقتا جديدا ثم أنني عصفت بالأزمنة والأمكنة التي ذهبت عساكرنا إليها ووجهت الريح كما شاءت حين اقتلعت جذور الأشجار وعصفت بالجبال. تذكرت الحكمة القديمة التي تقول أن الريح أقوي من كل شيء ولا يوقفها إلا الجبال بجبروتها.وأن النار تأكل كل ما حولها...
خرجنا فى الهزيع الأخير من الليل نزحف نحو المزرعة كالذئاب الجائعة ، ومع أننا كنا مسلحين بأحسن طراز من البنادق ، فقد كنا نتجنب الحراس ونراوغ كالثعالب ، لأننا نعرف قيمة الدم المهدور فى الصعيد ، ولهذا كنا نتخير الأوقات التى تقفل فيها العيون وتغفو .
كان الظلام على أشده فى تلك الليلة ، وكانت وجهتنا...
ثمة ما يدعوه اليومَ إلى التأمل بحزن أكثر من أيّ يوم مضى.
أدار محركَ سيارته، وعاد مسرعاً إلى داخل البيت، أحسّ رغبةً في احتساء كوبٍ آخر من الشاي قبل أن ينطلق إلى عمله.
جلس باسترخاء وراء مقود السيارة، عبثت أصابعه للحظات في مفتاح المذياع، ولم يلبث أن تحوّل عن تلك الرغبة، وانطلق يجوب الشوارع، يحاول...
(تبدأُ الأرضُ بعد أن تنشأَ الأسماء)
ظلوا ينقلون الرفاة من ضفة إلى أخرى.
وظلوا في شك مما لاسبيل لتخمين الغرض من أجله على غير النحو الذي تخيلوه له. تخيلوه بجسوم الأسود والفهود وأعناق النياق، والثعابين وأجنحة العقبان. وكانوا كلما نبشوا قبراً وجدوا خمس حجراتٍ ما مَــن يعثر فيها على عظام موتى.
قال...
تجلس السكرتيرة على مكتبها الصغير وهي تحدق بشاشة الحاسوب. باقي المكاتب خالية. تتلقى اتصالا على هاتفها.
- أهلا..
يأتها صوت خطيبها:
- كيف حالك؟
ترد ببرود وهي تحدق بالشاشة مركزة على لعبة الكوتشينة:
- بخير...
يصمت الخطيب ثم يقول:
- أين أنت الآن؟
ترد بذات البرود:
- في المكتب..
يصمت الخطيب مرة أخرى...
يكاد قلبي يقفز ليقف لصقها .. جميلة ، شفافة . والأهم ان كل شيء فيها مدور.. أكتافها ، عجيزتها ، نهداها , رأسها ، فمها بل حتى خصلات شعرها . دار رأسي بأفكار شتى ، وبدأت أتمتم بكلمات ، يقينا أنها لا تفهم منها شيئا . وهذا ليس مهما . فالمهم عندي أن تفهم أنيها هي المقصودة ، على أقل تقدير ، و إلّا سأكون...
(1)
في ارتجافة تلك النجوم التي أفِل قمرها، وهدوء البحر الذي بدا يلعق اصدافه والفنارات المتوهجة بأضواء شاحبة، وفي هذا الليل الذي يبدو نصفه كحيوان مطعون يقعى كئيباً على الساحل يداعب فقمة تغتسل بالزبد والرمل ، ما كان للصحاري وجغرافياتها أن تتظلم من ذلك السكون المتوحش في عراءها السحيق، ولا من رمالها...
✍ (سيارة مرسيدس حمراء برقم 56549 .. نرجو من صاحبها التوجه لمكانها)...
تكرر النداء عدة مرات عبر مايكروفون صالة الزفاف دون أن يهتم صاحبها بالاستجابة للنداء حينها تلقى المذيع ورقة مطوية فقرأها:
(المرسيدس الحمراء تحترق الآن نرجو من صاحبها الاسراع نحوها).
هنا أطلقت امرأة اربعينية صرخة رعب وتركت صالة...
مَرَاثِي لِشهِّيدِ السُّودانْ الْجَديد(د.جون قرنق)
{ شفافاً كما النيل ،شَاهِقاً كَما الأمَاتَونجْ }
أحمد يعقوب
(1)
في متاهاتِ تلك المجاهيل وتُخومِ تلك الأزمنة البعيدة، كانت الآلهة تُناقش في فردوسها مولد هرقل السودان الجديد سيدنا ( جون قرنق دي مبيور) وفي أيُّ بقاعٍ من كوش سوف يولد؟ حاملاً معه...
بشر يمشي ووجهه إلى الأرض.. أشفار عينيه الملتهبة تلفظ آلام الخمسين سنة الضائعة من عمره.. يخيل لرائيه أن عينيه تفتّشان في جوف الأرض عن نقود ساقطة.. يقضي حاجته دوماً في العراء.. يرفض استعمال المراحيض، فهو يصرخ عند لومه على ذلك بقوله:
- إنها آنية نظيفة و جميلة يجب ألا تتسخ..
حاول مرة نزع واحد منها...
اللّيمون متجعّد في الصّناديق الخشبيّة المتداعية٠
الخوخ ازداد احمرارا ثمّ تعفّن يزحف بداخله دود لا مرئيّ
الباب الصفيح ذو المصراعين مفتوح نصف فتحة تعابثه ريح خبيثة فيئزّ متمارضا....
أنت هنا ياعم!
لا أحد يردّ ، لكنّ رائحة آدميّة عطنة تنبعث من الظّلمة الملفوفة في الغبار . وقع أقدام...
يجلس سليمان مسندا ظهره إلى جدار نال منه الزمن وتهيأ لسقوط. لقد خلت يداه من متاع الدنيا، بعدما كان وكان، ويبقى (كان) فعل ماض يصير بائسا إذا تلاه النقيض، إذا ضاعت ملامحه وتاهت كل سبل العودة إليه؛ فماذا يبقى لصديقنا غير الصدوق، سوى الجلوس هنا منتظرا قافلة الموت لتسافر به من عبير منسي في الدنيا،...