مختارات الأنطولوجيا

يوميا، خلال ساعة المشي الصباحية، الأقربِ إلى النزهة، ألتقي بانتظام، وبفارق زمني ضئيل، جماعتين من الكلاب، أرستا تعايشا سلميا فيما بينهما وبين ساكنة الحي، وتتفرغ كل منهما، تحت قيادة ذَكَر مهيمنٍ، لشؤونها. مع ذلك، في الأيام الأخيرة، صارت رؤية هذه الكلاب الأليفة، الباحثة عن طعامها، المتزاوجة أو...
تقطن خديجة في الطرف القصيّ من الدار البيضاء، وتشتغل في الطريق القصي من الدار البيضاء، تستقلّ كلَّ يوم حافلتين للذهاب والإياب معا، وفي المساء تدخل غرفتَها وقدماها منتفختان من كثرة الوقوف في المحطّات والمعمل. لا تعرف خديجة شيئا اسمه الفطور أو الغذاء. في الصباح تغسل وجهها بالماء البارد وتخرج وتمرّ...
كان المطبَخُ المعتم حيث كنتُ أقضي أفضل أوقاتي فسيحا (في الواقع، كان ذا حجم متواضع لكن، في ذلك الزمان، كل شيء كان يبدو لي هائلاً). كنت أحبّ أكثر من كل شيء أن أرى أمي تُشعل النار: رغم حركاتها الدقيقة، كنت أعاين المشهدَ بقلق إذ كنت أخشى ألا تشتعل. كانت المعجزة تحصل أخيراً فينبثق اللهبُ، أزرقَ...
هذا الطفل البدين الذي اشترى له أبواه كرة هو الطفل الممل الوحيد في المجموعة. انقسم أصدقاؤه إلى مجموعتين، وضعوا معاطفهم وجمعوها في أكوام حتى تبيِّن حدَّي المرمى، ثم بدأوا في ركل الكرة. هذا الطفل البدين لا مهمة له سوى حراسة المعاطف، لا يمكنه أن يتسلى بمجريات المباراة، لا يمكنه أن يتناول أكلا خفيفا...
لا أبتئس ُ من حياة ٍ بَنيتُها على اوهام ٍهشة … عِشتها بنُبل ٍ فريد … لايتوَّجُ الاّ الهامات الشامخة وبطيبة مجهولة الحدود ، تحلىّ بها ذوو ألرسالات الباهضة ، مانشَدْتُ اجراً مقيتاً ، ولا ثواباً مُستجدى ، بل كنت امنح ُ مثلما تمنح النخلة ُ رُطبها الجني ، ماكنت ابوح أسراري لأحد ، لا ابوحها الاّ لنفسي...
متى تفهم ؟ متى يا سيدي تفهم ؟ بأني لست واحدةً كغيري من صديقاتك ولا فتحاً نسائياً يضاف إلى فتوحاتك ولا رقماً من الأرقام يعبر في سجلاتك ؟ متى تفهم ؟ متى تفهم ؟ أيا جملاً من الصحراء لم يلجم ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصم بأني لن أكون هنا.. رماداً في سجاراتك ورأساً بين آلاف الرؤوس على مخداتك...
خفيفٌ في مشيته، كفأرٍ يسكن بيتاً إسمنتيّاً به عشرون نافذة عشرٌ منها لا تعرف معنىً للضوء والعشر الأخرى تفتح كُلُّ واحدةٍ منها في وجه حبيبة الحبيبة الجيدة، بإمكانها أن تملأ المكانَ بالهواء، بإمكانها أن تُرتِّب جوقةَ موسيقى وترقص في عصبك في آنٍ واحد بإمكانها أيضاً أن تدفنك نهاية الحفل في...
ظلي وظلك يلتقيان / نقف عليهما، نُحاوِرُ الضوء في كُمِّ وردةٍ يفتنها الانتظار يُخبِّئان الوقت تحت إبطيهما ويسبقاننا إلى الـ(مكان)…. ! ظلي وظلك لا يعرفان التَّعَب يجرجران الماضي / والخوف دون رحمة يتمزَّقان / نتفق ظلِّي ولأنه يتصوَّر رأسي سحابة، يُمطرُ فيضحك العشب ويغمز لفراشة تزعم أنها رأتني...
في كل مرة أنوي الحديث عن حياتنا الأدبية في مدينتي الناصرية وبخاصة منذ سنواتِ سبعينياتِ ما قبل السفر الدراسيّ إلى بغداد فإني أتجنبه متذكراً أخاً كبيراً لي ومعْلَماً من معالم مدينتنا : القاص والروائي والكاتب المسرحي والناقد والشاعر والمترجم والفنان : أحمد الباقري ، وأقول لعله يبدأ هو فيأتي حديثه...
حَقاً كان كتاب (الق الحكاية) كتاباً ممتعاً ورائداً في محاولته توثيق وتسجيل ملامح القصة القصيرة جداً.. هذا الجنس الادبي الجديد... الذي لاقى أعتراضاً سطحياً من لَدن كتاب القصة القصيرة ونقادها... وليس ذلك بغريب، فكل حركات التجديد في الشعر والقصة لاقت ما لاقت القصة القصيرة القصيرة جداً من عَنَت ورفض...
عندما انتهوا من دفني؛ سمعوا ما تبقى مني يناديهم يد مزهرة بالعفن الوليد: عندما أعود؛ أريد جسدًا كالبرق. لو سمعني شخصٌ ما لا أستطيعُ أن أجيبه. أصلي رُغم الصمت رُغم الليل الذي لا يموت حيٌّ على سطح الموت راكعٌ بين ركبتي الرب والآخرون يتسولون المطر والإيجار وأسباب البقاء.. جسد مثل السماء يبحث عن الحق...
أشكو إلى الله علام الخفيات * من جور ألحاظك المرضى الصحيحات إن أنكرت هذه الأجفان ما صنعت * سل عن دمي الوجنات العندميات روت لواحظها عن بال خبرا * ويلاه من سقم هاتيك الروايات فيا جليسي بدا ما كنت أكتمه * إن المجالس فاعلم بالأمانات لله سرب ظباء من بني أسد * حررت معهن أرباب المسرات حلقت أحداقها بعدي...
كأن الزمانَ تعطلَ كأن الأرضَ شاختْ كأن الخسوفَ والكسوفَ تناغَما كأني ما عدْت’ أرى سوى خَبطِ غيمٍ أسودَ كأن الصرخاتِ المكضومةَ تتشظى كأن الكلامَ يرتد’ خافتآ في بئرٍ عميقةٍ كأن البراريَ تتَمطى والقتلى يهرولونَ بلا رؤوسٍ كأن الزجاجَ مائعٌ على الفراشِ والبشرَ...
منذ زمن ليس ببعيد كنا نرى خالي " تشارلز" مرتين في السنة؛ الأولى في عيد الميلاد والثانية في عيد الفصح. هو يعيش في " سدني" وقد يأتي، بحكم العادة، فنحن تعودنا أن نجتمع كلنا حول مائدة جدي الكبيرة بعد العودة من الكنيسة. نحن " بنتاكوستاليون" ( فرع من اللوثريين)، نؤمن أن كل ما جاء في الكتاب ( التوراة...
وأنا أقرأ "غزليات حافظ شيرازي" انتبهت لنفسي أني في القراءة أقفز على تعابير مثل "سواد زلفك" و "دموعي التي فاضت كالطوفان" و "قوس حاجبك" و "نواسة الحبيب" أو "طرّته" و"الهجر" و "السهام" … الخ. أحاول تجاوزها كي لا تؤخرني عن المعنى الآخر الكامن بين العبارات، أو الومض الشعري الذي يتخاطف بين سطور...
أعلى