هو مهندسٌ متخصّصٌ بالجيولوجيا... مهمّتُه استكشافُ المناجم .. واستطلاع خبايا الأرض والتنقيب عن النفط .. والإشراف على الحَفْر.
خبرتُه العتيقة جعلته يعرف التربةَ من رائحتها .. من لونِها .. يستعملُ أوصافاً تليقُ بالنساء..هذه التربة سمراء غنية .. وتلك شقراء شاحبة ... احذروا الأديمَ الأحمر شيمتهُ...
مع اندلاق الومضات الاولى لفجر كانوني يرسل لسعات برد تنبئ بنهار بارد توجست خفية وأنا اترك دفء الفراش لئلا يبخر الزمن ،وأغادر بسرعة جنونية وصوت أمي يلاحقني بأن اتناول فطوري ، اليوم هو غير الايام وعليّ أن اثبت جدارتي في أول تحقيق صحفي اكتبه ، وقد اخترت ( مسطر) عمال البناء وما فيه من مكابدة والبحث...
لم يبق لي في هذه الحياة الغارقة بالأحزان وطغيان الالم والأنين الذي رافقني منذ موت ابني الذي كاد يلتحق بالجامعة بعد ان انهى دراسته الاعدادية ،كان مولعا بالشعر منذ صغره ربما كان تأثيره بأمي التي كانت تنشد الاشعار الحزينة في المناسبات المؤلمة لاسيما في نهايات الليل ،وفي خلوتها وعزلتها في غرفتها...
منذ صغره تعلم الرسم قبل كل شيء، قبل تعلم الحروف وسائر المعارف الأخرى... رسم صورة أخيه الأكبر وأخته ومعلم الرياضيات الذي يكرهه ويتمنى أن يفصل من المدرسة، فهو لا يأتي إلى الصف إلا والعصا الغليظة معه... كبرت خطواته وسارت الأعوام سريعة، نظر إلى المرآة وأدرك أن الوجه الطفولي قد اختفى، ويقف أمام...
اطفأتِ النور وتركت جسدها المتعب يرتمي على السرير، امتدت يدها دون شعور منها الى المذياع فتدفقت الاصوات واختلطت الاذاعات: قررت القوات الامريكية سحب اخر لواء لها عبر الاراضي العراقية تطبيقا لاتفاقية الانسحاب.
ادارت موجّه المذياع: الفيضانات تشرد سبعة ملايين من سكان باكستان، الحرائق تجتاح روسيا...
أسمعُ العربات تهدر خلف سياج الحديقة، حتى أنني أحياناً أراها من خلال ثغرات متمايلة بلطف في أوراق الأشجار. كيف يصرصر خشب مكابحها ومحاورها في حرارة الصيف ! عمال قادمون من الحقول ويضحكون وكأن هناك فضيحة.
كنت جالساً على أرجوحتنا الصغيرة، أرتاح بين الأشجار في حديقة والدي.
على الجانب الأخر من السياج...
كلما رأيتكِ تمشين إلى جانبه تشتعل ناري .. فأسير خلفكما متخفياً .. كأنكما تسيران على قلبي .. أسايركما من بعيد .. تتحابّان وأتحرّق .. تتشابكان وأتمزّق ..تتحدان وأتفرّق
وناري لا صوت لها ولا ألسنة لهب .. ولا بصيص جِمار ولا دخان ولا رماد .. كالمكواة الكهربائية تروح وتجيء على قلبي .. ترسم عليه...
حرصتُ، منذ سكنتُ في ذلك الحي الخلفي، على أن أوقّر سكانه ويوقّروني. لا أكلّم أحدا ما لم يكلمني. "اقْحب وْزْها مْع النّصارَى وْليهودْ وخلّي بْنات الحومة عْليك شْهود"... يا لَذلك "البرغوث" اللعين! كلماته البعيدة ما زالت تسكن ذاكرتي، كأنْ قيلت بالأمس فقط. "لم أعد أقحبُ مع النصارى ولا مع غيرهم"،...
قدحان، شمعتان، خمر وعسل وبيض سمك، فجل وجرجير وريحان، أظافر، عظمة حُقٍ لرجلٍ ميت، وفرخ دجاجة مريض، وسمّ ثعبان نهري، كتاب شمس المعارف، ونجمة تضيء في السماء الأولى، هي لا تأتي، وهم يأتون إلى المائدة من فوق سطوح البحار، ومن المقابر، والخرائب، وكهوف الجبال، وهو يطلسم والدخان يظلل وجهه المتعب:
سكروش...
غمامة العصافير التي طارت قرب الشمس، حملت معها نتفا من قلبي، لكني أوليت لها ظهري ومضيت أركل الأحجار التي بالطريق.
سماء من الزرقة والوهج كانت تلوح بي.. من الزرقة والوهج!
وكنت أحاول الفرار من تلك الذاكرة التي تشدنا دائما لأماكننا، بينما الأيام تتساقط مهملة أمام أعيننا، أقول-تلك الذاكرة هي صنو...
أحتاجك قليلا عندما تسقط أسناني وتئن مني الملامح.. تشد لي خيوطي، فأتحرك، لأسمع ما تسمعون، وأبصر الذي يروح ويجيء.. وأحكم الغطاء عليك والأنات حتى لا تشرد.. كيف تراني وكيف عرفتك مشاعري.. أيقنت أنك مني، وعلامات السوط الأزرق على جلدك وحول سلسلة ظهرك وفي المعرض اليومي على الورق للجمهور.
كان الليل أقصر...
ينفخ حسين الجمل في سيكارته ويده ترتجف. يبدو كمن حزم أمره أخيراً وقرر أن يتحدث عن نفسه وعن محمد العبد الرحمن، وعن حيفا العتيقة. هل تموت المدن؟ ماتت حيفا أمام عينيه. وكان دوماً يؤجل حديث موت حيفا المدينة، ثم نشروها ناراً تتأجح في الصدور. كان يعتقد أن على غيره أن يتحدث عن ذلك. من يدري؟ لربما كان...
أصوات قرع نواقيس كنيسة الأرمن الواقعة بداية شارع النضال تطرق سمعي بعد أن خلفتها وراء ظهري ماشياً وخطوتي بحجم مساحة بغداد باتجاه ساحة الطيران كأني فلاح أحرث ابتسامتي في وجوه المارة ، أنعقد الصبح وأنا وحيد ، ضائع مثل ضوء في الضوء ، صباح بغداد فتح كل نوافذ البغداديين ، أسمع أصوات ضرب النواقيس التي...
فى الشارع الطويل ... وحيدة تسير فى طرقات واسعة .... عليّها تضيق... تتوه فى أفكار تأرجحها كريشة فى مهب الريح... تفكر لم أنا ؟؟ لم الجرح هكذا يؤذيني... لم لا يشعر بي هو... كيف أستطاع أن يتركنى ... الطريق شبه مزدحم... وداخلها شبه فارغ...تحاول أن توقف التفكير فيه...أن تذهب بعقلها بعيدا بعيدا... أن...