لم تكن أنفاسك الدافئة، ولا لمسات تشبثك الخجلة لمعطفي عند لهو طفولتنا معا، سبب هذا الاحساس الذي تدفق بغتة بعقلي فحجب كل الأفكار إلا واحدة، يتردد صدي صوتها بنبضي دون استئذان..هل يمكن أن تغيب شمسك لحظة عن جسدي فأهزل وأصاب بقشعريرة التجمد يوما ما!
هكذا حدث نفسه بينما مشهد خصلات شعرها المتطايرة...
بجلبابها البني الذي يغطي قدميها، ويؤدي عفويا دور البلدية، وحجابها الأبيض المنسدل إلى منتصف جسمها راسما مثلثين متوازيين، وحاجبا لون شعر يجهله كثير من معارفها، تقدمت بتؤدة تتأمل المباني المحيطة بساحة الثورة الشهيرة في عنابة، حيث السياح والمتسولون ومشاريع العشاق.. لا تعرف لم تجاوزت مقهيين في المدخل...
بدت مجموعة من الهواجس تنتابني فجأة، أطفأت التلفزيون، خرجت لأستنشق بعض الهواء الملوث، عوادم السيارات المارة من أمام منزلنا تجعل الأمر أكثر سوءا بشكل لا يوصف، أبي - رحمه الله - رفض أن نبيع منزلنا المطل بفخرعلى الشارع العام الوحيد في المدينة. لقد كان يرى أن في ذلك ميزة لم أستطع اكتشافها لحد الساعة...
يتلمس طريقه في الظلام الحالك، وهو يتذكر كم مر بهذا الطريق أياما وليالي. ينحني عند بعض المنعطفات ليلمس هذه النبتة أو يتعرف على ذلك الحجر، ومع كل انحناءة يستنشق بمليء رئتيه عبير أرض افتقدها وافتقدته . ثمة شعور طاغ يغمره ويكاد يجعله يقفز صارخا: إنني أسلك الطريق الصحيح لأول مرة. إن كل الطرق والدروب...
لم يبق حوله إلا الفارس شاهرا سيفه متقمصا شكل الواثق الذي تدرب جيدا عليه في جو مفعم بلغة العيون و الإيحاءات و إن كان الفارس قد تدرب جيدا على تقمص الشخصيات الواثقة المتفائلة في أسوء الظروف فهو أيضا تعود مع مرور الزمن على لغة الإيحاءات ، لقد قرأ في عيون الملك الآتي:
" لم يبق من قواتنا إلا كتيبة...
حدثتني منذ تاريخ بعيد جدتي اخْويرَهْ - تغمدها الله برحمته الواسعة - في إحدى ليالي السمر الجميلة التي كانت تقضي مع احفادها؛ حدثتنا أنا وابن خالتي بأنه كان في سالف الزمان رجلان يسمى كل واحد منهما محمد: احدهما تاجر ثري .. والآخر قائد سياسي ذكي حكم البلاد بمساعدة حلفاء كثيرين من أبرزهم التاجر الثري...
في صباح كل يوم، كان يقول لها، حين يكون تحت الغطاء، متمددا:
ــ " حبيبتي، ليس عندي، ما أقوله، سوى أني أحبكِ "
وكانت حين تبتسم بوجهه، تفكر على عجالة ولكن بشيء من القلق " لعلك ما تزال ". وكانت تخاف من حماقة هذه " ما تزال ". وحين يختلط النور الفاقع، بالمستقبل العائم، يمسها ألم غامض. غالبا ما كانت...
ما زال الوادي الفسيح مستمتعاً باشعة الشمس التي بدأت تتخلى رويدا رويدا عن سكب حرارتها، واخذت تستعد للرحيل وراء الجبال الشاهقة وقد لبست حلتها الارجوانية، كانت مفرزتنا تقصد احدى قرى الزيبار التي تكمن بين جبال وعرة وقطوع صخرية شاهقة، وارض سهلية تكثر فيها مزارع العنب والتفاح .
لم نكن قد دخلنا هذه...
" بداخل كل منا " سيمرغ "
سيحلق بالروح إلى عوالم الغيب والمشاهدة ."
نهضت مكرها في منتصف ليلة بهيمة إذ شعرت بشيء تحت ظهري يهمزني؛ ولعله هو من قض مضجعي بعدما كنت أنعم بمتع أناي غير المحروسة وكنت فيها بطلا " سوبير مانيا " أصول وأجول أنشر في الأرض المحبة والسلم والسلام، وأحارب الفساد الذي عجزت...
كان علاء يراقب التلاميذ المنتشرين أثناء الفرصة الكبيرة، فهمس أحد المعلمين من زملائه بأذن أحد الجالسين بجانبه على كرسي. قال: لاحظ أن "عبد العالي" اليوم على خلاف ما نعهده فيه من هدوء وسكون واتزان. الانفعال باد في حركاته ونبرات صوته. انه يعيش منفرد منذ أشهر، لابد أنه قد سأم الوحدة. والأهم...
عندما التقيت بالسيد أورويل مصادفةً في مقهى (حسن عجمي)* تَلبَّسني السرور والإنفعال فبدوت مرتجفا وأنا أصافحه، لم يكن معتاداً على كل هذه الحرارة في لندن مدينة الضباب الباردة خاصةً وإنه ما زال يعيش أجواءها التي تخيلها في روايته (1984) تأفف وقال:
- ماهذه الحرارة؟ كيف تطيقون هذا الجحيم؟
- تعودنا...
يلتقيان كل أسبوع عند بائع الكتب ولا يتحدثان، هذا اليوم اكتشفا أن هناك رابطا خفيا ظاهرا؛ انخرطا في حديث عن الكتب السماوية، كان هو قد سبقه فالتقط نسخة من العهد الجديد لها غلاف زاه، تجلس مريم العذراء ببراءة جذابة تحمل رضيعها، ينظر لأمه في استغراق تام، حدّثه عن بابل القديمة والخروج.
انبهر بحديثه...
استيقظت من النوم.. وقد عقدت العزم للذهاب إلى طبيب نفساني.
لم أعد أستطيع التحمل وقد نفد صبري، كم يريني النوم عجبا، وعجبا لا أعرف شيئا؟
استقبلني الطبيب بابتسامة يجيدها مع مرضاه، بادرني بالسؤال التقليدى: ماذا تشتكي؟
كنت أتأمل الحجرة.. وألوان حوائطها المتداخلة بين الأصفر والأخضر والأزرق، وكذلك توزيع...
توقفتُ عن السير فجأة, لمحت امرأتين تنظران إلى وتتحدثان ضاحكتان . أحداهما شديدة الشبه بفواكه حتى ظننتها هي في أول الأمر, كانت طويلة وشعرها الطويل ينسدل خلف ظهرها قد تكون أحداهما تعرفنى وتحدث الأخرى عنى . قررت أن اقترب منهما أكثر لأراهما عن قرب, لكن شاحنة أطلقت نفيرها عاليا ومرت أمامى فحجبت عنى...
لم تكن تدرك يوما ما أن الشجرة الكبيرة التي احتضنت لقاءهما تحت ظلها الظليل وترنحت بحفيف أوراقها اليانعة لهمسهما
الجميل .ستبقى شاهدا على حبها الموؤد في لحظة من لحظات الخيبة لأمل راودها في الواقع والخيال أياما وشهورا إلى أن
استفاقت على وقع الصدمة .. على أن من كانت تظنه فارس أحلامها قد سافر دون...