كان عادل يقرض المسافة المتبقية باتجاه مدينته قرضاً. متحمساً، وشغوفاً بالآتي. لا يزال صوت زوجته يضغط على أعصابه، كان صوتاً آمراً، يحمل بموجاته لهجتها المعهودة. لهجة فيها شقاوة كارثية ومزلزلة:
" سأقتل... إن لم تجيء". لم يسمع الكلمة التي تبعت سأقتل. لكنه تكهن بمحتواها، وهي مجنونة تقوم بقتل نفسها...
سمع نقراً خفيفاً على بابه، فترك قلمه وأوراقه وأفكاره، وألقى من على كتفيه تعبه وإرهاقه، وقام متثاقل الخطا ليفتح الباب... وما إن فتحه حتى وجد ساعي البريد ينظر إليه وقد ساءه الانتظار... رد على تحيته وعلم منه أنه قد أتى إليه مراراً فلم يجده، وأنه يريد تسليمه مغلّفاً مرسلاً بالبريد المضمون، ولابد من...
كان يبدو واضحا أنه يريد مفارقة الحياة في اللحظة والتو . لا. كان يبدو واضحا وجليا أنه يريد مفارقة الحياة قبل تلك اللحظة. لا . كان يبدو واضحا أنه استهان بخصمه تماما فجاءته الهزيمة في اللحظة التي ينتظر فيها النصر,النصر المبين.ثلاثة وسبعون عاما من الزهو والخيلاء.من النصر المتواصل علي الأعداء.كل...
نتخيل المدينة الحلم .. نسبح في أوهام البحث عنها ..نهاجر إليها مبهورين ..نركب البحر والفضاء والصحاري .. نغوص في أكداس الكتب القديمة لكي نتبين معالمها أو نمس أسوارها, ولا نمس سوى السراب, ونضيع في متاهات التنظير, لشكلها الموعود, شوارعها, أزقتها, نسائها, أسواقها, مكتباتها, كنائسها, مساجدها ونسقط في...
يُشعِـرُكَ مَقهى شاطئ الحياةِ المتربعِ على الجرفِ العالي لدجلة َمن جهةِ الرصافةِ بكثيرٍ من الألفةِ إذ يتيحُ للناظرِفرصة ً للإحساسِ بالسكينةِ والتأملِ إذا كانَ الجالسُ قد أحسنَ اختيارَ مكانِه في الركنِ القصي من جنوبِ المقهى وهذا ماكنتُ أفعله كلَّ يومِ جمعة وفي كل مرة أُلقي نظرةً محييةً على...
قبل شهر واحد من الآن، لم يكن أحد سواء من الغرباء أو الأقرباء، يصدّق أنّه جاوز الأربعين من عمره! أمّا اليوم، فكلّ من يعوده في بيته، أو يلتقيه في أيّ مكان آخر، يحدّثه بهدوء ولين، يناسبان رجلاً هرم في ظرف ثلاثين يوماً، بفعل المرض اللعين!
حتىّ العمّال في السوبرماركت القريبة من بيته، تغيّرت...
قالت إنها التقت به صدفة.. هل صديقتي تختلق القصص وتجعلها حقيقة؟
رأيتها مرارا تجلس بالمكتبة وتقرأ المتنبي. تساءلت ما الذي دفعها لقراءة المتنبي؛ فهي لم تقرأ شعره فحسب؛ بل قرأت تاريخه كله، وتاريخ أزمنته وأمكنته بالرغم من أنَّ صديقتي في حياتها لم تحب التاريخ، فلا أذكرها تعلمت درساً واحداً بشغف أو...
تدفقتْ في شراييني موجاتٌ من الهلع، حين أبصرتُ عينيه المسكونتين بالرعب، ووجهه المغمور بنافورة من دم، وجسمه المغطَّى بمساحة واسعة من الشحوب.. كان يتلمس طريقه بين أشجار البرتقال وقد أنهكه الإعياء.. يقتلع قدميه من لجَّة الرمل بصعوبة بالغة، ففاجأته بالوقوف أمامه، وبادرته بالسؤال:
- "عصفور!.. ابن...
قالت ميري لزوجها إدوارد بعد أن أتمـّت تنظيف القطعة التي بين يديها:
- نقـّبنا في الكثير من مواقع العراق الأثرية فلم أجد أغرب من هذه السكـّين.
ناولتها اليه وهي تمسّد النصل بحذر شديد . فأجاب وهو يتفحص باهتمام بالغ مقبضها الذهبي :
- هي متقنة الصنع وبيد حاذقة، وتبدو لي ليست من صناعة محلية، وأرى...
وجه قد لا تنتبه لوجوده ، ذو ابتسامة ليست موجهة لشخص ما ، أو موقف ما.
كان وجهها دائم الظهور في خلفية الصورة.
لم يكن يعبأ بها أحد، أو يصادقها أحد ، أو يضمها لمجموعته ، أو أن يلقي إليها التحية.
***
كنت في أمسيتي الشتوية القارصة، مقشعرة مشاعري قبل جسدي ، فآثرت أن أتصفح
كتاب...
عند انتصاف العمر، يدق ناقوس الضجر، على إيقاع منجل السنوات وهو يحصد غنائم أثقل من انهزاماتي، وتلف ما يحصد بعباءة لونها رماد أرق وملل الوسادة المحشوة بأحلامي. الأيام المتشابهة ترتمي مع الأقدار في حضني لحظة غفوتي. أما الزمن فأراه يتهاوى في أعماق مجهول.
هذا البذر المغروس في طوالعنا منذ الأزل لا ينمو...
العالم يتكور في ذيل القرن، حتى يغدو كرة ثلجية زائفة، اقتحمها السواد عنوة بحجة أن لأسود لون أساسي في رسم أحلام البشر ثم تتدحرج الكرة الثلجية السوداء، وتذوب عند قدمي بفعل حرارة النكسة التي سكنتني، فأجد نفسي أسبح في فضاء مفرغ: لا أرضاً تقف فوقها قدماي، لا سماء تحتمي بها أحلامي الوردية، و لا بشراً...
احضري لي كوب الماء ، لا تقفي هكذا أمام النافذة، إن المارة ينظرون لك .
إنها العجوز ، دائما ما تصيح بصوتها العالي المبحوح ، منذ الصباح الباكر تجلس على المقعد في منتصف الصالة ، تتأمل المكان، عيناها تراقبان كل شيء وبدقة لا تتناسب مع سنوات عمرها الستين .
تنظر إلى أمها، بمزيج من اللامبالاة، والضيق،...