سرد

من وراء الأحجار الطينية الملساء ، كانت عائشة تنظر إلى الساقية تسيل ماءا زلالا .اقتربت من مجراها ...فأخذت تعبث بعصا ، ترسم دوائر تضيق على الطين المبلل. ينعش خرير ماء عين " بوتلمسيردين " نفسها المتضايق ، دلفت بحذر شديد ، تحت أشجار الدفلى المتشابكة الأغصان و الأوراق تجر رجلها المعقوفة إلى الوراء ؛...
عندما انتصف الليل، ارتمى علي على كرسي سيارة الأجرة متعباً… صوت أم كلثوم أضفى عليه هدوءاً أليفاً بعد يوم صاخب. لم يكن معتاداً على الحديث مع السائقين… لكنّ وجود شريط أم كلثوم بصوت منخفض في السيارة جعله يشعر بوجود شيء مشترك بينه وبين السائق: الله.. ماأجمل صوت أم كلثوم… إنه ينقلنا إلى عالم صافٍ ...
" وردية " تصغر زوجها " قدور" كثيرا ، رابضت و إياه في خنادق الحقل و البيت .. خرود ولود .. شمرت عن ساعديها ، و بنت و إياه على أنقاض جُحر التابوت المتهالك منزلا حديثا من ثلاثة طوابق ، و دكانا نذرت نفسها فيه بائعة حاذقة ! حازت نصيبها من الإرث و الكراهية من إخوة أشداء ، و أفلحت في تحقيق حلم زوجها ،...
أيقن أن الرصاصة القادمة ستكون لا محالة من نصيبه، تخترق صدره وتستقر تماما في القلب، يتساقط العشرات من حوله بالرصاص الحي المنهمر عليهم كسيول جارفة، فيما تصنع القنابل المسيلة للدموع منتهية الصلاحية سحابات من دخان أسود ورائحة خانقة، يعرف قليلا ممن يحيطون به بدرجة أو بأخرى، فيما يظل أغلبهم مجهولين...
كانت فاطمة و يزة ، من بين المدعوات الرسميات لحفل المساء ... و كانتا مع مجموعتهما الغنائية و الراقصة ، من المفضلات في سهرات الرايس ـ المرشح ، و سهرات الضيعة الخاصة ... لا زالتا في ريعان شبابهما و نضارة جمالهما و طراوة جسديهما ... وجدت مجموعتان أخريتان ن نصبت لهما خيمة كبيرة في باب الضيعة ... أقلت...
عثرتُ على وثيقة تاريخية مثغورة. أكلت الأرضةُ حواشيَها ووسطها. تمكّنت من ملء ثغراتها بمعونة صديق متخصّص في التّاريخ. كتبها مؤرّخ مجهول، فقال: وردت على عامل حاضرة شرق المملكة الشّريفة؛ «وجدة» رسالة استفسار من السّلطان بالحضرة العليّة «فاس» العامرة: «الحمد لله والصّلاة والسّلام على مولانا رسول...
ما بين الغفوة والصحوة تراءى لها عمق الهاوية قرب قدميها. فتمالكتها الرغبة في البقاء. انطلقت تبحث في الأزقة عن الجذور لتغرسها في الطين. لتسقيها لتورق وليختفي شعورها الدائم بأنها إمرأة بلا جدوى. طافت على الحدائق، تبحث عن مقعد من (خشب) تسأل العابر عنه بنظرة وابتسامة ذات مغزى (كان ذلك من زمن) ثم يهز...
أنا لم أمت، إنما اختفيت… اختفيت مثل الملح في الماء… لم أمت و لم أنتحر كما روج لذلك بين أعضاء جمعية الضحايا. وبدل أن يصفقوا ويهللوا لموهبتي النادرة والخارقة، ناصبوني العداء والكراهية ولفقوا لي تهمة الكذب. أنا لم أكذب، أعني لم أفتعل الكذب على أحد. فرق كبير بين أن تكون كذابا بالفطرة وكذابا للظروف...
صفير ريح صرصر عاتية وزوابع أودية مقفرة ماحقة ، لا تتراءي سوي شجيرات هاربة نحوه محيط من الرمال المتوهجة أو تلك المغارات الموحشة هناك حيث تقيل الشمس ويبيت ظلام الصحراء القاتم، حيث مساقط الشهب و الأفلاك. كل شىء يحي بالموت والفناء والمحق والخراب ...إلا ذلك الجمل الذي يقتات على الحصى ويشرب من...
قبالة الباب الغربي للدكان القديم، كان يقيم وجهه شطر القدر السوداء الصغيرة، و بسرعة البرق.... كان يلتهم بقايا عشاء الليلة الماضية، قطع المعكرونة المحترقة ... كم هو طعام لذيذ ، عجبا لهؤلاء الناس، كيف يتركون مثله للدواب، تخيل نفسه بدون هذا الطعام ،...طبعا سيكون في عداد الموتى، لولا رئيسه " الهادي...
الرِّجال جــاعوا ! قالتها وهي محنيَّة الخاطر وعلى ظهرها رضيعها ، تُنقِّب في الرّماد على عود يابس أو جمر حي حتى صعدت جبل - أم دِريسَايَة - ذلك الذي كان قبل حين مرتعاً لغنم الحِِلّة وفلاة لجمال كَشومْ اللآئ مَنّ الله عليهن بهمباتَه يحرّرون القيد من أسرهن ليرعوا بهن في قوز باجا ويسقوهن من بئر...
جلست مريم بت الطاهر فى مساءات الخريف اللزجة .. يقودها الحنين الى براح جاف لا يخلو من رائحة طين .. وابتلال عشب ولمسات محيميد السحرية .. اوقدت نارها الخامدة على ذلك المرمى الجاف وتلفحت بملاءتها العتيقة ..فبدت على ضوء القمر .. كعذراء تتلفح فركة قرمصيص خضراء جديدة تنتظر فحولة الليل ليدخل ظلامه...
قرأ المذيع خبراً وأنا منهمك في عملي، لم أسمع منه سوى عبارة (شاحنة ليلية)! دي جافو! أحسستُ، من وقع العبارة، كأنني بددتُ نشوة، أو خُلسة كهروكيمائية تكاد لا يكون لها زُهاء. توقفت عن عملي لأعرف أي الكلمتين كانت مصدر هذه اللمحة السرية العامودية المفاجئة، مستبعداً تماماً إسهام صوت المذيع في هذه...
تمر بالمجتمعات المختلفة عبّر ودروس احيانا يستفاد منها واحيانا لا. احيانا تكون قاسية وماحقة واحيانا تكون هينة ولينة ولكن المجتمعات ، عادة ما تحتاج منه لعقود كي تعي المغزى منها.الشخوص العادية او النمطية تتفاعل وتنتج كيمياء مختلفة الالوان والمذاق. وتصبح قضايا القيّم والاخلاق والحس الوطني والفهم...
تطاولت مدة صمته و سكوته. خاف عليه والده واعتقد الجميع إنه سيقتل نفسه. تزداد حالته سوءاً و يتأكد سكوته عندما يزورهم عمّه عابد محب الدين. كان عابد في الستين لحيته بيضاء و جلبابه قصير و لعمامته عَزَبَة طويلة نسبيا و ربما لم تكن طويلة إنما قِصَر عُنقه و التصاق رأسه المستدير بأعلي ظهره هو ما يعطي...
أعلى